بقلم: الباز عبدالإله
حين يصبح الرقم أكبر من مجرد معطى إداري، يتحول إلى مرآة تكشف حجم الاختلال، فأن تغطي جامعة مغربية واحدة، هي جامعة ابن زهر، حوالي 55 في المائة من التراب الوطني، وتضم نحو 170 ألف طالب، فذلك لا يصف مؤسسة جامعية فقط، بل يكشف خريطة تعليم عال تمددت فوق الجغرافيا أكثر مما احتملت، وصارت في حاجة إلى إعادة نظر لا إلى مجرد ترميم هادئ.
كشفت معطيات رسمية أن وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، وضع أمس الثلاثاء 19 ماي 2026، أمام مجلس المستشارين، ملامح مرحلة جديدة من مشروع الخريطة الجامعية، تشمل في فوجها الأول إحداث 26 مؤسسة جامعية جديدة، يوجد مرسوم إحداثها في المراحل الأخيرة من المصادقة.
في ظاهر الأمر، يبدو الرقم مطمئناً، 26 مؤسسة جديدة دفعة واحدة، ثم فوج ثان يضم 23 مؤسسة أخرى، أي ما مجموعه 49 مؤسسة جامعية محتملة، غير أن عمق الملف لا يوجد في عدد البنايات التي ستضاف إلى الخريطة، بل في قدرة هذه الخريطة على تغيير منطقها القديم، وتوسيع دائرة الإنصاف، ومنح أبناء الجهات نفس الحظ في التكوين والمعرفة والترقي الاجتماعي.
الأكثر دلالة في هذا الورش ليس فقط إعلان المؤسسات الجديدة، بل الحالة الصارخة لجامعة ابن زهر، تلك الجامعة التي ظلت تغطي وحدها مجالاً شاسعاً من المغرب، وتمتد فوق جهات ومدن متباعدة، من أكادير إلى ورزازات، ومن كلميم إلى العيون والداخلة، حتى بدت كأنها إدارة جامعية فوق نصف خريطة البلاد تقريباً.
هنا لا يعود الحديث عن جامعة كبيرة، بل عن اختلال قديم في تدبير التعليم العالي، لأن مؤسسة واحدة بهذا الامتداد الجغرافي وبهذا العدد من الطلبة لا يمكن أن تستمر بمنطق إداري واحد، ولا يمكن أن تضمن نفس القرب ونفس الجودة ونفس الإنصاف لطالب يعيش قرب مركز جامعي، وآخر يقطع المسافات بحثاً عن مدرج أو شعبة أو فرصة.
اقتراح تحويل جامعة ابن زهر إلى خمس جامعات، تشمل الداخلة والعيون وكلميم، إلى جانب جامعتين بأيت ملول وأكادير، مع إلحاق ورزازات بجهتها التي تنتمي إليها، يبدو في شكله قراراً تنظيمياً، لكنه في عمقه اعتراف بأن الخريطة الجامعية القديمة وصلت إلى حدودها القصوى، وأن المغرب لم يعد يستطيع تدبير جامعة المستقبل بمنطق التمدد الصامت.
المشكل أن الجامعة لا تختصر في بناية، ولا في لافتة تحمل اسماً جديداً، ولا في مرسوم يضيف مؤسسة إلى لائحة المؤسسات العمومية، فالجامعة الحقيقية هي أستاذ مؤهل، ومختبر مفتوح، وسكن جامعي، ونقل، ومطعم، ومكتبة، وتوجيه، وشهادة لها قيمة، وتكوين له علاقة باقتصاد الجهة لا بسوق الانتظار.
لهذا، فإن إعادة رسم الخريطة الجامعية لا ينبغي أن تتحول إلى تمرين إداري في توزيع الكليات، بل إلى ورش سياسي واجتماعي عميق، يضع طالب كلميم والرشيدية وورزازات والداخلة أمام نفس الحق في جامعة لائقة، قريبة، ومفتوحة على المستقبل، لا أمام نسخة مصغرة من نفس الاختلالات القديمة.
العدالة الجامعية لا تقاس بعدد المؤسسات التي تعلنها الحكومة، بل بما يحدث بعد الإعلان، هل يجد الطالب مقعداً لائقاً، وأستاذاً حاضراً، وسكناً ممكناً، ونقلاً منتظماً، ومنحة كافية، وشعبة تفتح له باب المستقبل بدل أن تضعه في طابور جديد من طوابير البطالة.
والأخطر أن التوسع الجامعي إذا لم يرافقه تمويل واضح وحكامة جديدة وتخطيط مرتبط بحاجيات الجهات، فقد يتحول من حل إلى عبء، ومن إصلاح إلى إعادة إنتاج للفوارق، ومن جامعة قريبة على الخريطة إلى مؤسسة بعيدة في الواقع عن الطالب والأسرة وسوق الشغل.
مشروع الخريطة الجامعية يستند، حسب المعطيات الرسمية، إلى القانون الإطار 51.17، وإلى مقتضيات القانون المتعلق بالتعليم العالي، وهي إحالة تمنحه غطاء مؤسساتياً واضحاً، غير أن النصوص وحدها لا تصنع العدالة، لأن العدالة تبدأ حين يشعر الطالب أن الجهة التي ينتمي إليها لم تعد هامشاً تعليمياً ينتظر الفائض القادم من المركز.
الحكومة تتحدث عن مشاريع موازية مرتبطة بالسكن والنقل والإطعام والتمويل، وهي عناصر حاسمة، لأن الطالب لا يدرس بالمدرج وحده، ولا ينجح بالشهادة وحدها، ولا يستطيع أن يحول الجامعة إلى فرصة إذا كانت كلفة الدراسة تلتهم قدرة الأسرة قبل أن يصل إلى الامتحان.
وحين تستقبل الجامعات المغربية أكثر من 1.3 مليون طالب، مع ارتفاع متواصل في الطلب على التعليم العالي، يصبح واضحاً أن الضغط لم يعد حادثاً عابراً، بل صار بنية كاملة تحتاج إلى سياسة طويلة النفس، لا إلى حلول موسمية ولا إلى توسعات جميلة في البلاغات فقط.
يمكن لهذا الورش أن يكون بداية تصحيح حقيقي، إذا جرى التعامل مع جامعة ابن زهر باعتبارها علامة على خلل يجب تجاوزه، لا مجرد حالة إدارية قابلة للتقسيم، وإذا تحولت المؤسسات الجديدة إلى مدخل لإعادة توزيع المعرفة والفرص والبحث العلمي بين الجهات.
غير أن الحذر يبقى مطلوباً، لأن المغرب عرف كثيراً من الأوراش التي بدأت بعناوين كبيرة وانتهت بتفاصيل صغيرة، ورفعت شعار القرب ثم تركت المواطن أمام نفس المسافة ونفس الكلفة ونفس الانتظار.
المغرب لا يحتاج إلى جامعة قريبة من الطالب على الخريطة فقط، بل إلى جامعة قريبة منه اجتماعياً، وقريبة من المقاولة اقتصادياً، وقريبة من البحث العلمي معرفياً، وقريبة من المستقبل سياسياً.
لذلك، فإن الرقم الصادم، جامعة واحدة تغطي 55 في المائة من التراب الوطني، لا يجب أن يمر كمعطى مثير في جواب وزير، بل كإنذار هادئ بأن الخريطة الجامعية القديمة لم تعد صالحة لبلد يريد أن يتحدث عن الجهوية، والإنصاف، والرأسمال البشري، والمغرب الصاعد.
فالمعيار الحقيقي لن يكون في عدد الجامعات والمؤسسات التي ستضاف إلى الخريطة، بل في ما إذا كان هذا التوسع سيمنح أبناء المدن الصغيرة والقرى والجهات البعيدة حقاً أقرب إلى جامعة عادلة، لا تفتح أبواب التسجيل فقط، بل تفتح طريقاً حقيقياً نحو المستقبل.
