بقلم: الباز عبدالإله
ليست كل الإشارات التي تفتح النقاش العام تأتي من التقارير الكبرى أو البلاغات الصاخبة، أحياناً تكفي وثيقة إدارية هادئة، منشورة في زاوية بعيدة من موقع مؤسسة دولية، لكي تكشف ما لا تقوله الخطب، وتضيء ما تخفيه العناوين اللامعة.
في إعلان استشارة نشرته منظمة اليونيسف بتاريخ 6 ماي 2026، تحت عنوان Private Sector Partnerships Consultant Rabat Morocco، ترد عبارة لافتة تتحدث عن المغرب باعتباره بلداً يحظى باهتمام متزايد لدى عدد من الشركاء الدوليين، بفضل موقعه الجغرافي واستقراره السياسي وتقدمه العام، غير أن الوثيقة تشير في المقابل إلى أن أولويات هؤلاء الشركاء تميل أكثر نحو العلاقات التجارية والاقتصادية، مقابل تراجع نسبي في أولوية الاستثمار في الرأسمال البشري.
هذه العبارة لا تحتاج إلى صخب كي تكون ثقيلة، فهي لا تدين المغرب ولا تحاكم اختياراته، لكنها تضع أمامنا مفارقة دقيقة، بلد ينجح في تسويق نفسه كمنصة للاستثمار، وبوابة نحو إفريقيا، وفضاء للطاقات الجديدة والموانئ والمصانع والصفقات الكبرى، بينما يظل السؤال الاجتماعي واقفاً في الخلفية، أين الإنسان داخل هذه الصورة المصقولة.
الوثيقة نفسها تربط هذا السياق بحاجة اليونيسف في المغرب إلى تنويع مصادر التمويل وبناء شراكات مع القطاع الخاص، من أجل دعم قضايا الأطفال، وتقليص الفوارق، وحماية الحقوق، وهو ما يعني أن المنظمة لا تبحث فقط عن موارد مالية جديدة، بل تتحرك داخل عالم تبدلت فيه الأولويات، وصارت فيه لغة السوق أحياناً أعلى من لغة الإنسان.
هنا يصبح الأمر أكبر من إعلان استشارة، لأن المغرب الذي يراكم صورته كبلد مستقر ومفتوح على المستقبل، مطالب في الوقت نفسه بأن يثبت أن الاستثمار في الإنسان ليس تفصيلاً جانبياً في دفتر التحملات، بل هو جوهر أي نموذج تنموي يريد أن يكون صلباً وعادلاً وقابلاً للاستمرار.
فما معنى أن يتقدم المغرب في لغة الاقتصاد، إذا كانت المدرسة ما تزال تبحث عن إصلاح عميق، وما معنى أن تتوسع الشراكات التجارية، إذا كان الطفل في بعض الهوامش ما يزال يفاوض المسافة إلى القسم، وضعف الخدمات، وهشاشة الحماية الاجتماعية.
ليست المشكلة في الاستثمار، ولا في انفتاح المغرب على الشركاء والأسواق والفرص، فكل بلد يحتاج إلى اقتصاد قوي وتمويل ذكي وموقع جاذب، لكن الخطر يبدأ حين يتحول السوق إلى العنوان الوحيد، وحين يصبح الإنسان مجرد هامش صغير في دفتر الصفقات.
القطاع الخاص يمكن أن يساهم، والشراكات قد تكون مفيدة، والتمويل الخارجي قد يفتح أبواباً جديدة، لكن لا شيء يعوض الدولة حين يتعلق الأمر بالمدرسة والصحة والطفولة والحماية الاجتماعية، لأن هذه الملفات لا تترك لمنطق المبادرات الظرفية، ولا تقاس فقط بلغة العائد والمردودية.
وهنا تستعيد عبارة “مغرب السرعتين” ثقلها السياسي والرمزي، لا بوصفها شعاراً صحفياً عابراً، بل كتنبيه ملكي واضح، بعدما أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في خطاب عيد العرش، أنه “لا مكان اليوم ولا غداً، لمغرب يسير بسرعتين”.
بهذا المعنى، تلتقي وثيقة اليونيسف مع سؤال وطني سبق أن وُضع في أعلى مستوى من مستويات الخطاب السياسي، سؤال مغرب يسرع في الموانئ والطرق والمناطق الصناعية والصفقات، ومغرب آخر يحتاج إلى تسريع المدرسة والصحة والهامش الاجتماعي، حتى لا يبقى الإنسان آخر الواصلين إلى ثمار النمو.
حين يصبح المغرب جذاباً للمستثمرين، فهذا معطى إيجابي لا يمكن إنكاره، لكن حين تكبر صورته الاقتصادية دون أن يكبر معها الاستثمار في الإنسان، يصبح من حق المجتمع أن يسأل بهدوء وقلق، هل نبني وطناً للمواطن، أم واجهة أنيقة للمستثمر.
المغرب لا يحتاج إلى الاختيار بين الاقتصاد والإنسان، لأن الدول القوية لا تبني نموها فوق هشاشة اجتماعية، ولا تجعل الرأسمال البشري ينتظر ما يتبقى من الصفقات، بل تدرك أن المدرسة والمستشفى والطفل والكرامة هي البنية التحتية الأولى لأي إقلاع حقيقي.
وثيقة اليونيسف لا تقول إن المغرب تخلى عن الإنسان، ولا ينبغي تحميلها أكثر مما تحتمل، لكنها تلمح إلى تحول في طريقة قراءة المغرب دولياً، حيث صار البلد يظهر أكثر من زاوية الموقع والفرص الاقتصادية، بينما تحتاج قضايا الطفولة والرأسمال البشري إلى دفاع أقوى، حتى لا تتراجع وسط زحمة العقود والأرقام ومذكرات التفاهم.
كلما كبر المغرب في عيون المستثمرين، كبر معه واجب حماية الفئات التي لا صوت لها داخل غرف التفاوض، فالطفل لا يحضر اجتماعات الصفقات، والتلميذ لا يجلس إلى طاولة المستثمرين، والأسرة الهشة لا تكتب مذكرات التفاهم.
المطلوب ليس شيطنة الاستثمار، بل إعادة ترتيب المعنى، أي قيمة لنمو اقتصادي لا يتحول إلى مدرسة أقوى، وصحة أفضل، وحماية أوسع، وفرص حقيقية لأطفال المناطق الهشة.
حين يصبح المغرب سوقاً قبل أن يكون مجتمعاً، فالمشكل لا يكون في السوق وحده، بل في السياسة العمومية حين تنسى أن الاقتصاد بلا إنسان مجرد واجهة براقة فوق أرض اجتماعية متعبة.
لهذا تستحق هذه الوثيقة الصغيرة قراءة كبيرة، لأنها تذكرنا بأن أخطر ما قد يقع في زمن الصفقات ليس أن يدخل المستثمر، بل أن يخرج الإنسان من مركز القرار.
