بقلم: الباز عبدالإله
صادقت الحكومة، أمس الخميس، على مشروع المرسوم رقم 2.26.395 القاضي بفتح اعتمادات إضافية لفائدة الميزانية العامة، في خطوة مالية قدمتها السلطة التنفيذية باعتبارها إجراء ضرورياً لمواجهة نفقات غير متوقعة برسم السنة المالية 2026، لكنها في توقيتها السياسي تفتح باباً واسعاً للقراءة والتأويل.
القرار، الذي قدمه الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، جاء وفق ما أوضحه مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، تطبيقاً لمقتضيات المادة 60 من القانون التنظيمي لقانون المالية، وهي المادة التي تتيح فتح اعتمادات إضافية عند بروز حالة ضرورة ملحة وغير متوقعة، شريطة أن يتم ذلك داخل إطار قانوني واضح وتحت مراقبة المؤسسات المعنية.
رسمياً، تربط الحكومة هذه الاعتمادات بتداعيات الحرب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وما تفرضه من ضغوط على أسعار الطاقة والمواد الأساسية، إضافة إلى الحاجة إلى الحفاظ على استقرار أسعار غاز البوتان وخدمات نقل الأشخاص والبضائع، وعدم تمرير الارتفاعات الدولية في أسعار الغاز الطبيعي والفيول والفحم إلى فواتير الكهرباء.
لكن ما يمنح القرار نكهته السياسية هو التوقيت. فالحكومة تتحرك على بعد أشهر من الانتخابات التشريعية، وتفتح صنبور الميزانية تحت عنوان حماية القدرة الشرائية وتخفيف الصدمات الخارجية، وهي عناوين اجتماعية حساسة تلامس جيب المواطن مباشرة، ولا يمكن فصلها عن المزاج العام في مرحلة انتخابية دقيقة.
هنا تظهر الحكومة في صورة “الإطفائي” الذي يحاول منع نيران الأسعار الدولية من الوصول إلى البيوت، لكنها تظهر أيضاً، بحكم اللحظة، في جلباب الفاعل السياسي الذي يعرف أن حرارة الشارع لا تنفصل عن حرارة الصناديق. لذلك لا يكفي القول إن الاعتمادات قانونية، بل المطلوب أن تكون مفصلة بما يكفي، حتى يعرف المواطن كم سيذهب فعلاً لحماية قدرته الشرائية، وكم سيخصص للمؤسسات والمقاولات العمومية، ووفق أي منطق للمراقبة والمحاسبة.
وتزداد حساسية القرار حين تشمل هذه الاعتمادات، إلى جانب دعم الأسعار ومواجهة آثار الفيضانات التي شهدتها بعض مناطق شمال المملكة، تعزيز رأسمال بعض المؤسسات والمقاولات العمومية. هذه النقطة بالذات تحتاج إلى قدر أكبر من المكاشفة، لأن الرأي العام من حقه أن يعرف هل نحن أمام دعم مباشر للقدرة الشرائية، أم أمام تغطية نفقات استثنائية لمؤسسات عمومية تعاني من اختلالات مالية مزمنة.
المشكل إذن ليس في فتح الاعتمادات في حد ذاته، بل في الغموض الذي يرافق حجمها وتوزيعها وأولوياتها. فالمال العام، حين يتحرك في زمن انتخابي قريب، يصبح مطالباً بدرجة مضاعفة من الوضوح، حتى لا يتحول الدعم الضروري إلى مادة للالتباس السياسي، وحتى لا تختلط حماية المواطن بتبريد المزاج العام قبل موعد الاقتراع.
والأهم أن هذه الآلية، التي يقدمها القانون باعتبارها جواباً على ضرورة ملحة وغير متوقعة، بدأت تطرح سؤالاً أعمق حول حدود الاستثناء في تدبير الميزانية. فحين تتكرر الحاجة إلى فتح اعتمادات إضافية سنة بعد أخرى، لا يعود النقاش محصوراً في شرعية المرسوم، بل يمتد إلى جودة التوقعات المالية، ومدى قدرة الحكومة على بناء ميزانية تقرأ المخاطر قبل أن تنفجر.
فالاستثناء المالي، إذا تحول إلى عادة سياسية، يفقد جزءاً من طابعه الطارئ، ويصبح مرآة لاختلال في التخطيط أو في ترتيب الأولويات. ذلك أن الميزانية ليست مجرد جدول أرقام قابل للترميم كلما ضاقت الهوامش، بل وثيقة سياسية تكشف قدرة الحكومة على توقع الصدمات وتدبيرها دون تحويل كل أزمة إلى باب جديد للإنفاق الاستثنائي.
كما أن الكرة اليوم لا توجد فقط في ملعب الحكومة، بل أيضاً في ملعب البرلمان، وخاصة لجنتي المالية، لأن المال العام لا يكفي أن يتحرك تحت عنوان الضرورة، بل يجب أن يخضع لسؤال التوزيع والمراقبة والأثر. فالمطلوب ليس فقط معرفة لماذا فُتحت الاعتمادات، بل كم فُتح، ولمن، وبأي سقف، وتحت أي آلية للتتبع.
وبين منطق الإطفاء المالي ومنطق الحساب الانتخابي، تقف هذه الاعتمادات أمام اختبار حساس. فإذا كانت ستمنع انفجار الأسعار وتحمي الأسر من كلفة الحرب والفيضانات وارتفاع أسعار الطاقة، فهي ضرورة اجتماعية لا جدال حولها. أما إذا بقيت بلا أرقام دقيقة، ولا توزيع معلن، ولا مراقبة واضحة، فإنها ستظل مفتوحة على سؤال التوقيت أكثر من سؤال التمويل، وسيقرأها الشارع لا من ديباجة المرسوم، بل من أثرها الحقيقي في الجيب قبل الصندوق.
