بقلم: الباز عبدالإله
عاد المغرب من جديد إلى الأسواق المالية الدولية، بعدما حصل على تمويل جديد عبر إصدار سندات دولية باليورو، بلغت قيمتها حوالي 2.25 مليار يورو، أي ما يقارب 2.4 مليار دولار، في عملية تعكس حاجة الخزينة إلى موارد إضافية داخل سياق عالمي صعب، تتزايد فيه كلفة الاقتراض وتشتد فيه مراقبة المستثمرين لديون الدول الناشئة.
العملية تبدو في ظاهرها خبراً مالياً عادياً، دولة تخرج إلى السوق، ومستثمرون يكتتبون، وخزينة تبحث عن سيولة، لكنها في عمقها تطرح سؤالاً أكبر من الرقم نفسه، هل نحن أمام تمويل استراتيجي سيذهب إلى مشاريع منتجة وحماية فعلية للقدرة الشرائية، أم أمام دين جديد سيعود غداً على شكل ضغط إضافي على الضرائب والإنفاق الاجتماعي.
وحسب المعطيات المتداولة، جرى الإصدار عبر شريحتين باليورو، الأولى تمتد إلى سنة 2034، والثانية إلى سنة 2038، ما يعني أن الخزينة اختارت آجالاً متوسطة وطويلة لتوزيع عبء السداد على سنوات مقبلة، غير أن السؤال الحقيقي لا يوجد فقط في تاريخ الاستحقاق، بل في كلفة هذا النفس الطويل، وفي الفوائد التي ستدفعها المالية العمومية مقابل هذه السيولة.
ويأتي هذا الإصدار في سياق مالي أوسع، بعد أيام من إعلان الحكومة عن إضافة 20 مليار درهم إلى ميزانية 2026 لمواجهة آثار التوترات الدولية ودعم القدرة الشرائية، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن مبلغ السندات الدولية هو نفسه ذلك الاعتماد الإضافي، بل يعني أن المالية العمومية تتحرك اليوم داخل ضغط مزدوج، حاجيات داخلية متزايدة من جهة، وتمويل خارجي بكلفة محسوبة من جهة أخرى.
ليست المشكلة في الاقتراض في حد ذاته، فالدول تقترض حين تحتاج إلى تمويل الاستثمار أو حماية الاستقرار الاجتماعي، لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح الدين أداة دائمة لترقيع الفجوات بدل أن يكون جسراً نحو إنتاج الثروة، وهنا يتحول السؤال من كم اقترض المغرب، إلى ماذا سيفعل المغرب بهذا القرض.
إذا ذهب هذا التمويل نحو مشاريع منتجة، وبنيات تحتية ترفع التنافسية، واستثمارات تخلق قيمة مضافة وفرص شغل، فالأمر يمكن الدفاع عنه مالياً وسياسياً، أما إذا تحول إلى جرعة أوكسجين مؤقتة للميزانية، فإننا أمام وصفة معروفة، اقتراض اليوم، فوائد الغد، وضغط بعد غد على جيوب المواطنين.
اللافت أيضاً أن المغرب خرج إلى السوق الدولية في لحظة ليست مريحة تماماً، فأسعار الفائدة العالمية ما تزال تحت الضغط، والأسواق تراقب عجز الميزانيات وكلفة الطاقة ومخاطر المنطقة، لذلك فإن نجاح الإصدار لا يجب أن يتحول إلى نشوة رسمية زائدة، لأن المستثمرين لا يمنحون ثقتهم مجاناً، بل يبيعونها بفائدة محسوبة.
وهنا توجد النقطة الحساسة، فارتفاع الطلب على السندات لا يعني دائماً أن الدولة تقترض بثمن مريح، بل قد يعني أيضاً أن المستثمرين وجدوا عائداً مغرياً قياساً بالمخاطر، ولذلك فإن معيار النجاح الحقيقي لا يجب أن يكون فقط حجم الاكتتاب، بل كلفة التمويل، وسعر الفائدة، وقدرة الاقتصاد على تحويل هذا الدين إلى نمو فعلي.
سياسياً، يطرح هذا الإصدار سؤال الشفافية في تدبير الدين العمومي، فالمواطن يسمع عن مليارات تقترضها الدولة، لكنه نادراً ما يحصل على شرح مبسط حول كلفتها وشروطها ووجهتها، وكيف ستنعكس على حياته اليومية، وهذا الفراغ في التواصل هو الذي يحول الأرقام المالية إلى مادة للشك بدل أن تكون موضوعاً للنقاش العمومي الهادئ.
المغرب اليوم أمام معادلة دقيقة، يريد تمويل المشاريع الكبرى، وحماية القدرة الشرائية، والاستعداد لمواعيد دولية ثقيلة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على صورة بلد قادر على التحكم في مديونيته، لكن هذه المعادلة لا تنجح بالشعارات، بل بوضوح الأولويات، وبربط كل درهم مقترض بأثر اقتصادي واجتماعي قابل للقياس.
القوة الشرائية لا تُحمى فقط بإعلانات الميزانية، ولا بالخطاب الحكومي حول الدعم والتوازنات، بل تُحمى حين يشعر المواطن أن المال العمومي يذهب إلى ما يخفف عنه فعلاً، لا إلى ما يؤجل الأزمة فقط، لأن كل قرض لا يتحول إلى إنتاج وفرص شغل وخدمات أفضل، قد يعود في النهاية على شكل ضرائب جديدة أو تقليص في هوامش الإنفاق الاجتماعي.
العودة إلى أسواق الدين قد تمنح الخزينة سيولة مريحة على المدى القصير، لكنها تضع أمام الحكومة سؤالاً لا يمكن تأجيله كثيراً، هل نحن أمام اقتراض استراتيجي يصنع قيمة، أم أمام توسعة جديدة لهامش الدين حتى لا تظهر كلفة الاختيارات الاقتصادية الحالية دفعة واحدة.
العنوان الحقيقي للعملية ليس أن المغرب جمع حوالي 2400 مليار سنتيم بالعملة الصعبة، بل أن البلاد دخلت جولة جديدة من التمويل الخارجي، في زمن صار فيه المال الدولي أغلى، والمواطن أكثر حساسية تجاه أي قرار قد ينعكس غداً على الأسعار أو الضرائب أو الخدمات الاجتماعية.
