أعاد الكاتب والباحث المغربي إدريس الكنبوري فتح واحد من أكثر الأسئلة إرباكاً داخل النقاش العمومي، سؤال محاربة الفساد حين تبدو في ظاهرها يقظة مؤسساتية جديدة، لكنها في عمقها تكشف مفارقة أكبر، هل كانت الدولة غائبة فعلاً عن هذه الملفات، أم كانت تعرف وصمتت إلى أن حان وقت الكلام.
في تدوينة قوية على صفحته، توقف الكنبوري عند ما وصفه بانطلاق الدولة في تعرية بعض ملفات الفساد، من تحقيقات وزارة الداخلية في ملفات العمالات والأقاليم، إلى تحركات وزارة المالية في صفقات عمومية، مروراً باعتقالات ومتابعات في عدد من القضايا، وهي معطيات تمنح الانطباع بأن البلاد دخلت لحظة تشبه حملة “الأيادي النظيفة”.
غير أن الكنبوري لا يقرأ هذه اليقظة كخبر مطمئن فقط، بل كعلامة سياسية ثقيلة، لأن السؤال الذي يضعه أمام الجميع هو، إذا كانت الدولة تتحرك اليوم، فهل يعني ذلك أنها لم تكن تعرف بالأمس.
هنا تأتي عبارته الأكثر قوة حين يقول إن هذه اليقظة الجديدة لها معنى واحد، وهو أن الدولة كانت صامتة عن هذه الملفات في الماضي، لأنه “يستحيل أن لا تكون لديها معلومات عنها وهي التي تعرف كيف تتنفس السمكة في البحر”.
بهذه الجملة، يختصر الكنبوري جوهر المفارقة، فالدولة التي تملك القدرة على معرفة ما يجري في أعمق الزوايا، والتي نجحت، كما يقول، في التعرف على مئات الخلايا الإرهابية النائمة، لا يمكن أن تبدو عاجزة عن التعرف على “الخلايا الفاسدة النائمة” داخل الإدارات والصفقات ومناطق النفوذ.
لكن المعضلة، في تقدير الكنبوري، ليست فقط في الملفات التي تُفتح، بل في الملفات التي لا تُفتح، وليست فقط في الأسماء التي تسقط، بل في الأسماء التي لا يقترب منها القانون.
فالفساد الكبير، كما يكتب، هو فساد “الأسماك الغليظة التي تتنفس بشكل جيد”، أما الصفقات الكبرى التي يبرمها الكبار، فإنها لا تصل إليها يد القانون، لأن الاقتراب منها قد يجعل الدولة، في تعبيره، في وضع من “يتهم نفسه”.
هذه الفكرة هي قلب النص كله، لأن محاربة الفساد حين تنزل إلى الأسفل فقط، وتبقى حذرة وهي ترفع رأسها نحو الأعلى، تفقد جزءاً كبيراً من معناها الأخلاقي والسياسي.
فالكنبوري لا يدافع عن الفساد الصغير، ولا يبرر ما يقع في الهامش، لكنه يرفض أن تتحول المحاسبة إلى عملية انتقاء، حيث يُدفع الصغار إلى الواجهة، بينما يظل الكبار في الظل، كأن القانون يعرف الطريق إلى الأبواب الصغيرة وينسى عناوين النفوذ الكبير.
ولهذا يقول بوضوح إن محاربة الفساد لا تكون باستهداف الصغار وحدهم، لأن هؤلاء، في الغالب، يتصرفون تحت مسؤولية الكبار، أو يختفون وراء أحزابهم، أو يتحركون داخل منظومة صنعت لهم النموذج، ثم جاءت لتحاسب النسخ الصغيرة وتترك الأصل.
وفي عبارة تكاد تلخص فلسفة المحاسبة العادلة، يكتب الكنبوري أن “ضرب فاسد كبير أفضل ألف مرة من ضرب عشرة فاسدين صغار”، لأن الذين يوجدون في الأسفل يقلدون دائماً من هم في الأعلى باعتبارهم نموذج “النجاح”.
هنا يصبح الفساد، كما يراه، عدوى نازلة من القمة إلى القاعدة، لا مجرد انحراف فردي معزول، فمن يرى أن النفوذ يفتح الأبواب، وأن القرب من السلطة يحمي المصالح، وأن المال العام يمكن أن يتحول إلى سلم اجتماعي، لن يفهم النزاهة باعتبارها قيمة، بل سيعتبرها عجزاً عن الوصول.
الأخطر في كلام الكنبوري أنه لا يقف عند حدود السياسة، بل يدخل إلى عمق البنية الأخلاقية للمجتمع، حين يعتبر أن محاربة الفاسدين الصغار وحدهم فيها نوع من الظلم وضرب المساواة بين المواطنين، لأنه “ليس من العدل أن تتيح للبعض فرصة الإثراء بينما تحرم الآخرين منه”.
هذه العبارة صادمة في ظاهرها، لكنها في العمق لا تبرر الفساد، بل تفضح منطقه، لأن الدولة حين لا تطبق القانون بالميزان نفسه، فإنها لا تحمي النزاهة، بل تخلق شعوراً عاماً بأن الفساد حق خاص لمن يملك الحماية، وجريمة فقط حين يمارسها من لا ظهر له.
ومن هنا نفهم لماذا يقول الكنبوري إن هذه السياسة خلقت حالة من الفساد العام في المغرب، بحيث “أصبح الجميع يغش من الوزير إلى البقال”.
ليست المسألة، إذن، مجرد ملفات مالية أو صفقات أو اعتقالات، بل هي انهيار تدريجي لفكرة القدوة، حين يرى المواطن أن من يوجد في الأعلى يغش وينجو، فيتعلم من الأسفل أن الغش ليس عيباً، بل مهارة اجتماعية، وأن القانون ليس قاعدة مشتركة، بل حاجزاً يوضع أمام البعض ويُرفع أمام البعض الآخر.
في هذا المناخ، يصبح السؤال الذي يطرحه الكنبوري خطيراً وبسيطاً في الوقت نفسه، “لماذا أنا وليس هو؟”.
إنه السؤال الذي يولد حين تغيب العدالة المتساوية، وحين يشعر الناس أن هناك من أُعطي حق الإثراء، ومن طُلب منه فقط أن يصفق للنزاهة، وأن هناك من يقطف ثمار الفساد كاملة، ومن يعاقب لأنه التقط ما سقط من الشجرة.
لذلك يختم الكنبوري فكرته بخلاصة قاسية، مفادها أن المجتمعات التي لا يسود فيها القانون يتحول فيها الفساد إلى “حق طبيعي”، لأن المواطن حين لا يرى القانون فوق الجميع، لا يعود يسأل كيف نحارب الفساد، بل يسأل كيف يأخذ نصيبه منه.
قيمة تدوينة الكنبوري أنها لا تهاجم المحاسبة، بل تطالب بأن تكون محاسبة حقيقية، لا حملة موسمية ولا عرضاً سياسياً محدوداً، ولا رسالة إلى الصغار بأن الدولة تراهم، بينما الكبار يواصلون التنفس بهدوء في أعماق البحر.
فإذا كانت الدولة تريد فعلاً أن تقنع المغاربة بأنها دخلت زمن “الأيادي النظيفة”، فعليها أن تثبت أن اليد التي تنظف لا ترتجف أمام الأبواب الكبيرة، وأن القانون لا يعرف فقط طريقه إلى الجماعات والملحقات والمكاتب الصغيرة، بل يعرف أيضاً الطريق إلى الصفقات الكبرى ومناطق المصالح الثقيلة.
أما إذا بقيت المحاسبة معلقة في أسفل الهرم، فإنها قد تنتج أخباراً كثيرة، لكنها لن تنتج ثقة حقيقية، لأن المغاربة لا يريدون فقط أن يروا فاسداً صغيراً يسقط، بل يريدون أن يعرفوا أن الفساد الكبير لم يعد محمياً بحجمه، وأن السمكة الكبيرة لم تعد قادرة على التنفس خارج القانون.
