بقلم: الباز عبدالإله
في بلد يتحدث كثيراً عن الشمس والرياح والهيدروجين الأخضر، تخرج من باطن الأرض إشارة علمية هادئة لكنها ثقيلة، مفادها أن المغرب قد يكون جالساً فوق مصدر طاقي منسي، لا ينتظر طلوع الشمس، ولا يخاف من سكون الرياح، ولا يحتاج إلى ضجيج دعائي كي يثبت وجوده.
كشفت دراسة علمية منشورة في مجلة Scientific Reports التابعة لـ Nature Portfolio، بتاريخ 28 أبريل 2026، عن مؤشرات واعدة لإمكانات الطاقة الحرارية الجوفية في المغرب، ليس باعتبارها ترفاً أكاديمياً، بل كمصدر محتمل للكهرباء المستقرة، وكرافعة يمكن أن تدعم مسار الهيدروجين الأخضر الذي تراهن عليه البلاد في خطابها الطاقي الجديد.
أهمية هذه الدراسة لا تكمن فقط في أرقامها، بل في السؤال الذي تطرحه بصمت على السياسات العمومية: لماذا بقي التخطيط الطاقي المغربي أسير ثنائية الشمس والرياح، بينما توجد تحت الأرض طاقة قادرة على الاشتغال بشكل متواصل، وبأثر أقل ارتباطاً بتقلبات الطقس.
الدراسة، التي أنجزها باحثون من مختبر تابع لـ ENSET وجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، تشير إلى أن الطاقة الحرارية الجوفية غالباً ما تُستبعد من التخطيط الوطني، لأن التقييمات التقليدية لا تنجح دائماً في تحويل المعطيات الجيولوجية المعقدة إلى أرقام واضحة ومفهومة بالنسبة لمخططي الطاقة.
هنا تظهر المفارقة الكبرى، فالمغرب يبني صورة دولية حول الانتقال الطاقي، ويطمح إلى موقع متقدم في سوق الهيدروجين الأخضر، لكنه ما يزال في حاجة إلى مصادر مستقرة تعطي الكهرباء باستمرار، لأن الشمس لا تشتغل ليلاً، والرياح لا تهب بأوامر من السياسات العمومية.
وحسب المعطيات التي تقدمها الدراسة، فإن مناطق في الشمال الشرقي وبعض الأقاليم الجنوبية تظهر مؤشرات واعدة، رغم محدودية المعطيات العميقة حول باطن الأرض، وهي محدودية تجعل الملف في حاجة إلى استكشاف علمي جدي، بدل تركه في خانة الاحتمالات المؤجلة.
الأرقام لا تتحدث عن ثورة طاقية جاهزة، لكنها تكشف قدرة محافظة قد تصل إلى عشرات الميغاوات من الكهرباء المستقرة، مع تقدير لقدرة موثوقة في حدود 44 إلى 47 ميغاوات وفق السيناريو المحافظ، وهو رقم قد يبدو صغيراً مقارنة بالمشاريع الشمسية والريحية الكبرى، لكنه مهم لأنه يتعلق بطاقة دائمة لا تتصرف بمنطق الطقس.
الأهم أن الدراسة تربط هذه الطاقة بإنتاج الهيدروجين الأخضر، إذ تشير إلى أن السيناريو المحافظ يمكن أن يوفر حوالي 387 جيغاوات ساعة سنوياً من الكهرباء، وهو ما قد يسمح نظرياً بإنتاج يقارب 7.4 آلاف طن من الهيدروجين سنوياً، مع التأكيد أن الأمر يتعلق بمؤشر أولي لا بتوقع إنتاج نهائي.
هنا لا يصبح النقاش تقنياً فقط، بل سياسياً أيضاً، لأن السؤال الحقيقي ليس هل يملك المغرب الشمس والرياح والحرارة الجوفية، بل هل يملك الجرأة المؤسساتية لوضع كل هذه الموارد داخل تخطيط طاقي متوازن، شفاف، وقادر على تقليص التبعية للخارج.
لقد علمتنا أزمات الطاقة أن الدول لا تبني سيادتها بالشعارات، ولا بالمؤتمرات، ولا بصور المصافحات مع المستثمرين، بل تبنيها حين تملك خريطة واضحة لمصادرها، وحين تحول البحث العلمي إلى قرار عمومي، وحين لا تترك المختبرات تتكلم وحدها بينما السياسات الكبرى تتحرك في اتجاه واحد.
الطاقة الحرارية الجوفية ليست بديلاً سحرياً عن الشمس والرياح، لكنها قد تكون القطعة الغائبة في لوحة الانتقال الطاقي المغربي، لأنها توفر ما تبحث عنه الشبكات الكهربائية الحديثة: الاستقرار، القابلية للتوقع، والاشتغال الطويل دون انتظار مزاج السماء.
وإذا كان المغرب يريد فعلاً أن يتحول إلى منصة للهيدروجين الأخضر، فإن الرهان لا ينبغي أن يبقى محصوراً في مشاريع ضخمة معلنة بعناوين براقة، بل يجب أن ينزل إلى عمق الأرض، حيث توجد موارد أقل ضجيجاً، لكنها قد تكون أكثر وفاءً لفكرة السيادة الطاقية.
المشكل أن السياسات العمومية عندنا كثيراً ما تنجذب إلى المشاريع التي تُرى من بعيد، بينما الموارد الصامتة لا تجد دائماً من يدافع عنها داخل غرف القرار.
لذلك، لا ينبغي قراءة هذه الدراسة باعتبارها وعداً جاهزاً بثروة طاقية جديدة، بل باعتبارها إنذاراً علمياً رصيناً يقول إن المغرب ربما لا يعرف كل ما يملكه تحت قدميه، أو يعرفه ولا يمنحه المكانة التي يستحقها في التخطيط.
بين نار الفاتورة الطاقية، وحلم الهيدروجين الأخضر، وسؤال الاستقلال عن تقلبات الأسواق الدولية، تبدو حرارة الأرض أكثر من مجرد موضوع علمي، إنها مرآة لطريقة تدبيرنا للثروات الهادئة، نراها متأخرين، ونفهمها بعد أن يسبقنا إليها الزمن.
