بقلم: الباز عبدالإله
في بلد يتحدث كثيراً عن السدود وتحلية مياه البحر والربط بين الأحواض، تخرج من قلب الفوسفاط إشارة علمية هادئة لكنها ثقيلة، مفادها أن بعض ما اعتدنا تسميته مخلفات صناعية قد يتحول، إذا أُحسن تدبيره، إلى جزء من معركة المغرب مع الماء.
الأمر لا يتعلق بشعار بيئي جاهز، ولا بحكاية وردية عن تحويل النفايات إلى كنز، بل بدراسة علمية حديثة أعادت فتح سؤال مهم حول إمكانية استعمال مخلفات تعدين الفوسفاط، التي تراكمت لعقود على هامش واحدة من أهم الصناعات الاستراتيجية في البلاد، داخل أنظمة معالجة المياه العادمة بدل أن تظل مجرد عبء بيئي ثقيل.
المعطى ورد في مادة نشرها موقع AZoMining المتخصص في أخبار التعدين والمواد العلمية، بتاريخ 19 ماي 2026، استناداً إلى دراسة منشورة في مجلة Agronomy، تناولت استعمال مخلفات تعدين الفوسفاط كركيزة تفاعلية داخل أنظمة الأراضي الرطبة المنشأة لمعالجة المياه العادمة.
هذه الأنظمة تقوم على فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في نتائجها، إذ تحاكي آليات التنقية الطبيعية عبر تفاعل النبات والوسط المعدني والكائنات الدقيقة والعمليات الكيميائية والفيزيائية، بما يسمح بتحسين جودة المياه العادمة قبل التفكير في إعادة استعمالها.
أهمية الدراسة لا تأتي من المختبر وحده، بل من السياق المغربي نفسه، فالمغرب يعيش تحت ضغط مائي متزايد، وتراجعت حصة الفرد من الموارد المائية المتجددة إلى مستويات مقلقة، في وقت ترتفع فيه حاجيات الفلاحة والصناعة والمدن وتزداد فيه كلفة كل قطرة ماء يتم إنقاذها.
هنا يصبح الخبر أكبر من تجربة علمية، لأن المغرب الذي يملك واحدة من أكبر الصناعات الفوسفاطية في العالم يجد نفسه أمام مفارقة لافتة، قطاع يخلّف بقايا ومخلفات ضخمة من جهة، وبلد يبحث عن كل قطرة ماء قابلة للإنقاذ من جهة أخرى.
الدراسة لا تقول إن الحل جاهز غداً، ولا تقدم مخلفات الفوسفاط كعصا سحرية لأزمة الماء، لكنها تفتح باباً مهماً أمام فكرة الاقتصاد الدائري، حيث لا ينتهي عمر المادة عند باب المنجم أو وحدة الغسل، بل يمكن أن تبدأ وظيفة ثانية داخل منظومة بيئية لمعالجة المياه.
وحسب المعطيات المنشورة، أُجريت التجارب في الضيعة التجريبية التابعة لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ببنجرير، حيث طور الباحثون أربعة نماذج مصغرة من أنظمة المعالجة العمودية المتقدمة، مزروعة بنبات Arundo donax، مع اعتماد تركيبات مختلفة من الرمل والحصى والبوزولان ومخلفات الفوسفاط والطين والبيوشار.
الهدف كان واضحاً، وهو مقارنة قدرة كل وسط على إزالة الملوثات من المياه العادمة، وقياس أثر المواد التفاعلية المحلية في تحسين الأداء، مقارنة بالنظام التقليدي القائم على الرمل وحده.
النتائج التي عرضتها الدراسة تبدو لافتة، إذ أظهرت أن إدماج المواد التفاعلية حسّن أداء المعالجة، وسمح بتحقيق نسب مهمة في إزالة المواد العضوية والمواد العالقة والعناصر الغذائية وبعض المعادن الثقيلة.
ووفق المعطيات العلمية المنشورة، بلغت إزالة الطلب الكيميائي على الأكسجين حوالي 80 في المائة، ووصلت إزالة المواد العالقة إلى نحو 88 في المائة، فيما تجاوزت إزالة النحاس والكادميوم 85 في المائة في جميع الأنظمة المختبرة.
لكن النقطة الأكثر ذكاء في هذا العمل ليست في الأرقام وحدها، بل في طبيعة المادة المستعملة، فمخلفات الفوسفاط، بما تحتويه من عناصر غنية بالكالسيوم والفوسفات، ساعدت على تثبيت بعض المعادن الثقيلة عبر آليات الامتزاز والترسيب والتبادل الأيوني.
بمعنى آخر، المادة التي كانت تُقرأ غالباً من زاوية المخلفات الصناعية صارت تُقرأ هنا كوسيط محتمل لتنقية المياه، وهذا التحول في النظر إلى النفايات هو جوهر الاقتصاد الدائري الذي تتحدث عنه السياسات الحديثة كثيراً، دون أن تجعله دائماً ممارسة ملموسة على الأرض.
سياسياً وتنموياً، يطرح هذا النوع من الدراسات سؤالاً أوسع على السياسات العمومية، هل يملك المغرب رؤية كافية لتحويل مخلفات قطاعاته الاستراتيجية إلى موارد جديدة، أم إننا ما زلنا نتعامل مع المخلفات باعتبارها نهاية السلسلة لا بداية وظيفة أخرى.
فأزمة الماء في المغرب ليست أزمة ندرة فقط، بل أزمة كلفة واختيارات أيضاً، فالتحلية تحتاج استثمارات ضخمة وطاقة دائمة، والسدود مرتبطة بالمطر، والفرشة المائية تحت ضغط الاستنزاف، أما معالجة المياه العادمة وإعادة استعمالها فتظل من أكثر المسارات عقلانية، خصوصاً في المناطق الجافة وشبه الجافة والمناطق القروية والصناعية.
لذلك، فإن أي تقنية محلية منخفضة الكلفة، تستعمل مواد متوفرة داخل البلاد، يمكن أن تصبح ورقة مهمة إذا خرجت من نطاق التجربة العلمية إلى نطاق التقييم الصناعي والمؤسساتي، بشرط ألا تتحول النتائج المختبرية إلى خطاب دعائي سابق لأوانه.
المهنية تفرض هنا عدم القفز على حدود الدراسة، لأن الباحثين أنفسهم أشاروا إلى أن الأنظمة أحادية المرحلة لا تكفي وحدها لاحترام كل المعايير المغربية الخاصة بإعادة استعمال المياه في الزراعة، خصوصاً بخصوص بعض المعادن مثل الكادميوم وبعض المؤشرات الجرثومية.
كما أن الحديث عن استعمال آمن وواسع يحتاج إلى مراحل تكميلية، من بينها نظام ترشيح ثان أو عمليات تطهير إضافية، فضلاً عن تقييم طويل المدى لمعرفة سلوك هذه المواد داخل الأنظمة الحقيقية خارج شروط التجربة المصغرة.
وتبرز ملاحظة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن تمديد مدة احتجاز المياه حسّن أداء المعالجة، لكنه رفع ضياع الماء بالتبخر والنتح إلى مستويات وصلت في بعض الحالات إلى حوالي 28 في المائة، وهو رقم لا يمكن تجاهله في بلد يبحث أصلاً عن تقليص كل أشكال ضياع الماء.
هذه الحدود لا تضعف الدراسة، بل تمنحها الجدية المطلوبة، لأنها لا تبيع الوهم ولا تقدم حلاً سريعاً، بل تضع أمام صانع القرار مساراً بحثياً واعداً يحتاج إلى اختبار وتدقيق وتمويل وتعاون بين الجامعة والصناعة والجماعات الترابية.
في بلد بنى جزءاً كبيراً من قوته الاقتصادية على الفوسفاط، قد يكون الجيل المقبل من الرهان ليس فقط في تصدير المادة الخام أو تصنيع الأسمدة، بل في إعادة التفكير في كامل السلسلة، ماذا نستخرج، ماذا نصنع، ماذا نخلّف، وماذا يمكن أن نعيد استعماله.
إذا تأكدت فعالية هذه التقنية على نطاق أوسع، فإن المغرب سيكون أمام فرصة مزدوجة، تخفيف أثر مخلفات صناعة استراتيجية من جهة، وتقوية أدوات معالجة المياه العادمة في المناطق المتضررة من العطش من جهة أخرى.
الدراسة فتحت الباب أمام سؤال استراتيجي جديد، هل نستمر في النظر إلى مخلفات الفوسفاط كعبء بيئي فقط، أم نحولها إلى جزء من هندسة جديدة للسيادة المائية.
الجواب لن يأتي من المختبر وحده، بل من قدرة الدولة والمؤسسات الصناعية والجامعات والجماعات الترابية على تحويل البحث العلمي إلى سياسة عمومية واضحة، بتمويل شفاف وتجارب ميدانية وتقييم صحي وبيئي دقيق، لأن معركة الماء في المغرب لم تعد تحتمل الاكتفاء بالشعارات، ولا انتظار المطر وحده.
