بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد مطار محمد الخامس مجرد بوابة للمسافرين والرحلات الدولية، بل أصبح واحداً من أعصاب الاقتصاد المغربي الصامتة، حيث تمر البضائع الحساسة، والمنتجات الفلاحية، وقطع الغيار، ومستلزمات الصناعة، والأدوية، وكل ما يحتاج إلى سرعة ودقة وربط مباشر بالأسواق العالمية.
وكشف موقع Air Cargo Week، المتخصص في أخبار الشحن الجوي واللوجستيك الدولي، أن شركة Swissport International، إحدى أكبر الشركات العالمية في خدمات الطيران والمناولة الأرضية والشحن الجوي، وقعت اتفاقاً ملزماً للاستحواذ على Swiftair Maroc، وهي شركة متخصصة في مناولة الشحن الجوي، مقرها الدار البيضاء وتشتغل داخل مطار محمد الخامس، الذي يعالج حوالي 95 في المائة من حجم الشحن الجوي بالمغرب.
الصفقة، التي أورد المصدر نفسه أنها ما تزال خاضعة للشروط المعتادة والموافقات التنظيمية، لا تبدو مجرد عملية تجارية بين شركتين، بل تفتح نافذة على سؤال أكبر حول من يمسك بالبوابات اللوجستية الحساسة التي تربط الاقتصاد المغربي بالعالم.
وحسب المعطيات المنشورة، تتوفر Swiftair Maroc على مستودع جوي بمساحة 3700 متر مربع داخل المطار، مزود ببنية تحتية للتحكم في درجة الحرارة، وبغرف تبريد خاصة بالمنتجات الصيدلانية والسلع القابلة للتلف، وهو ما يجعل الأمر مرتبطاً بسلاسل إمداد دقيقة تمس الأدوية، والفلاحة التصديرية، والصناعات التي تحتاج إلى نقل سريع وآمن.
ونقل الموقع عن رئيس Swissport International، وارويك برادي، قوله إن المغرب سوق ديناميكي وسريع النمو، تزداد أهميته داخل تدفقات التجارة العالمية، كما وصفه كبوابة محورية بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، قادرة على دعم قطاعات تصديرية قوية مثل صناعة السيارات والطيران والفلاحة والنسيج، إلى جانب تسهيل واردات حيوية.
هذه اللغة لا ينبغي أن تُقرأ فقط كتصريح تجاري عادي، لأنها تكشف كيف تنظر الشركات العالمية إلى المغرب، ليس فقط كسوق، بل كممر استراتيجي في خريطة الشحن الدولي، خصوصاً مع توسع الصناعات التصديرية وارتفاع حاجة الاقتصاد إلى خدمات شحن سريع ومؤمن.
ومن جهته، قال مؤسس ورئيس Swiftair، سلفادور مورينو، إن التخلي عن Swiftair Maroc يدخل ضمن استراتيجية الشركة للخروج من الأنشطة غير الأساسية، معتبراً أن Swissport في موقع يسمح لها بقيادة المرحلة المقبلة من تطوير الشركة، مع استمرار التعاون معها كأحد زبنائها الأساسيين في المغرب.
هنا تظهر المفارقة، فكلما كبر المغرب كمركز لوجستي وصناعي، زادت أهمية الفاعلين الذين يديرون تفاصيل العبور، لأن الشحن الجوي لا يتعلق فقط بنقل علب وطرود، بل يتعلق بزمن التصدير، وسلامة الأدوية، واستمرارية سلاسل الإنتاج، وقدرة الشركات المغربية على الوصول إلى الأسواق في الوقت المناسب.
ووفق المصدر ذاته، فإن Swissport ليست وافداً جديداً بالكامل على المغرب، فالشركة حاضرة أصلاً في عدة خطوط داخل قطاع الطيران، إذ تقدم خدمات المناولة الأرضية في 16 مطاراً عبر المملكة، وتوفر خدمات الطيران التنفيذي في مراكش والدار البيضاء وطنجة، كما تدير عشر صالات مطارية تحت علامة Aspire في تسعة مواقع.
لكن دخولها إلى مناولة الشحن الجوي عبر Swiftair Maroc يمثل خطوة مختلفة، لأنه ينقل حضورها من خدمة الطائرات والمسافرين إلى قلب حركة البضائع ذات القيمة العالية والحساسية الزمنية، وهي المنطقة التي تختلط فيها التجارة بسؤال السيادة اللوجستية.
وتأتي هذه الصفقة أيضاً في سياق أوسع يستعد فيه المغرب لتنظيم كأس العالم 2030 بشكل مشترك، وهي محطة تجعل البنية التحتية، والمطارات، والربط الدولي، والخدمات اللوجستية، تحت ضغط أكبر وفرصة أكبر أيضاً، لأن البلاد لن تكون مطالبة فقط باستقبال المسافرين، بل بإدارة تدفقات اقتصادية وسياحية وتجارية أكثر تعقيداً.
غير أن السؤال الجوهري يبقى قائماً، هل ستتحول هذه الصفقة إلى إضافة نوعية تعزز قدرات المغرب في الشحن الجوي وتفتح فرصاً أكبر أمام الصادرات الوطنية، أم ستكون حلقة جديدة في توسع الفاعلين الدوليين داخل مفاصل استراتيجية من الاقتصاد المغربي.
ليس المطلوب التعامل مع الاستثمار الأجنبي بمنطق الريبة، ولا تصوير كل دخول دولي كتهديد، لكن المطلوب هو أن يكون النقاش واضحاً حول شروط هذا الحضور، وحول موقع الشركات المغربية، وحول قدرة الدولة على ضمان أن تكون البوابات الحساسة في خدمة الاقتصاد الوطني، لا مجرد ممرات مربحة للفاعلين الكبار.
الشحن الجوي واحد من القطاعات التي لا تصنع الضجيج، لكنها تصنع الفارق، لأن تأخر شحنة دواء، أو تعثر صادرات فلاحية، أو ضعف معالجة قطع صناعية حساسة، قد تكون له كلفة اقتصادية أكبر مما يظهر في العناوين اليومية.
لذلك، فإن صفقة Swissport وSwiftair Maroc لا ينبغي أن تمر كخبر شركات فقط، بل كإشارة إلى مرحلة جديدة، مرحلة يصبح فيها مطار محمد الخامس أكثر من محطة سفر، ويتحول إلى عقدة استراتيجية في شبكة التجارة العالمية.
المغرب يربح حين يجذب شركات كبرى قادرة على تحسين الجودة والرفع من الكفاءة، لكنه يربح أكثر حين يعرف كيف يحول هذا الحضور إلى قيمة وطنية، وإلى فرص للمقاولات المحلية، وإلى سيادة لوجستية لا تترك الشرايين الحساسة خارج النقاش العمومي.
الأمر لا يتعلق بمستودع داخل مطار فقط، بل بسؤال أوسع حول من يدير الزمن الاقتصادي للمغرب، ومن يمسك بالمفاتيح التي تجعل البضاعة المغربية تصل إلى العالم بسرعة، أو تتأخر في الطريق.
