بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن قرار رئيس الحكومة بتنظيم أسواق أضاحي العيد لعام 1447 هـ / 2026 مجرد إجراء إداري موسمي لترتيب الفوضى، بل جاء في لحظة مثقلة بالأسئلة، بعدما تحول سوق الأضاحي في السنوات الأخيرة إلى مرآة قاسية لما يقع حين يلتقي الجفاف، والدعم العمومي، والاستيراد، والوسطاء، وضعف الشفافية، في طريق واحد ينتهي دائماً عند جيب المواطن.
القرار الحكومي، حسب ما أعلنته البوابة الرسمية للمملكة، صدر بهدف تجنب الرفع غير المبرر في أسعار الأضاحي، وصون القدرة الشرائية، وضمان السير العادي والشفاف للأسواق، وتعزيز المنافسة الحرة والنزيهة بعد استشارة مجلس المنافسة، وهي لغة لا تقول فقط إن الدولة تريد تنظيم البيع، بل تقول أيضاً إن سوق الأضاحي لم يعد مطمئناً بما يكفي لكي يُترك وحده لمنطق العرض والطلب.
فقد حصر القرار بيع الأضاحي داخل الأسواق المرخصة، مع استثناء حالات البيع المباشر داخل الضيعات الفلاحية، وألزم البائعين بالتصريح المسبق لدى السلطات المحلية بهوياتهم وعدد الأضاحي المعروضة ومصدرها، كما منع شراء الأضاحي داخل السوق بغرض إعادة بيعها، وحظر المزايدات المفتعلة والاتفاقات الصريحة أو الضمنية الرامية إلى رفع الأثمان، ومنع تخزين الأضاحي خارج المسالك التجارية الاعتيادية بهدف خلق ندرة مصطنعة أو افتعال ارتفاع في الأسعار.
هذه التدابير تبدو ضرورية ومطلوبة، لأنها تضرب جزءاً من الفوضى التي يعرفها سوق العيد كل سنة، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالاً أكبر من “الشناقة” الصغار الذين يتحركون بين الأسواق، هل الأزمة فعلاً في آخر السلسلة فقط، أم أن جزءاً من الحكاية يوجد في أعلاها، حيث الدعم، والاستيراد، والإعفاءات، وكبار الفاعلين الذين دخلوا السوق من باب حماية القدرة الشرائية.
الأرقام الرسمية نفسها تجعل السؤال مشروعاً، فقد أعلنت وزارة الفلاحة أن تكلفة دعم الاستيراد الاستثنائي للأغنام الموجهة لعيد الأضحى خلال سنتي 2023 و2024 بلغت 437 مليون درهم، منها 193 مليون درهم سنة 2023 و244 مليون درهم سنة 2024، مقابل استيراد ما يناهز 875 ألف رأس من الأغنام عبر 156 مستورداً.
والوزارة أوضحت كذلك أن الدعم بلغ 500 درهم عن كل رأس من الأغنام الموجهة للذبح، بعدما اعتبرت أن تعليق الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة لم يكن كافياً وحده لرفع وتيرة الاستيراد وتحقيق الوفرة، في سياق توالي سنوات الجفاف وتراجع القطيع الوطني وارتفاع أسعار اللحوم الحمراء.
هنا تبدأ المفارقة الثقيلة، إذا كانت الدولة قد ضخت مئات الملايين من الدراهم باسم المواطن، وعلقت الرسوم والضرائب باسم الوفرة، فلماذا بقي المواطن في النهاية يواجه أسعاراً مرتفعة وكأنه لم يستفد من شيء.
الأكثر حساسية أن معطيات صحفية منسوبة إلى تحقيق نشرته مجلة “ملفات”، وجرى تداولها على نطاق واسع، طرحت سؤال الفارق بين كلفة دخول بعض الأغنام المستوردة وثمن بيعها النهائي، مع أرقام تتحدث عن أغنام إسبانية كانت كلفتها بعد احتساب الدعم والتكاليف في حدود تتراوح بين 1300 و1700 درهم، قبل أن تصل إلى المواطن بأثمان أعلى بكثير في السوق، وهي معطيات تحتاج إلى تدقيق مؤسساتي رسمي لا إلى الاكتفاء بنفي عام أو صمت طويل.
وهنا لا يتعلق الأمر بتوجيه اتهام جاهز لأي جهة، بل بطرح سؤال رقابي بسيط ومشروع، أين وقف أثر الدعم، هل وصل فعلاً إلى المستهلك، أم توقف في الطريق بين الميناء، والمستورد، والضيعة، والوسيط، والسوق.
الجدل لم يبق حبيس مواقع التواصل، فقد وصل إلى البرلمان والإعلام، وتحدثت تقارير عن مطالب بتقصي حقيقة كلفة دعم استيراد المواشي ونجاعة البرامج الحكومية المرتبطة بالأغنام والأبقار واللحوم، وسط تضارب واضح في الأرقام والتقديرات حول عدد المستفيدين والكلفة الحقيقية ومدى انعكاس الدعم على الأسعار.
لذلك يبدو القرار الحكومي الجديد وكأنه يقف عند باب السوق، بينما السؤال الحقيقي يوجد في الطريق الطويل الذي يسبق السوق، من استورد، كم استورد، بأي كلفة، كم استفاد من الدعم، كم ربح، ولماذا لم يظهر أثر هذا الدعم بوضوح في ثمن الأضحية التي وصل إليها المواطن.
فإذا كان البائع الصغير مطالباً اليوم بالتصريح بهويته وعدد أضاحيه ومصدرها، فمن باب أولى أن تمتد الشفافية إلى أعلى السلسلة، حيث توجد لوائح المستوردين، وفواتير الدخول، ومسار الرؤوس المستوردة، والفارق بين السعر عند الوصول والسعر عند البيع النهائي.
السؤال هنا ليس سياسياً فقط، بل هو سؤال حكامة ومال عمومي، لأن الدعم حين يدخل السوق باسم حماية القدرة الشرائية، يجب أن يظهر أثره في السعر، لا أن يتحول إلى هامش غامض بين الوثائق والميدان.
نجاح قرار تنظيم أسواق الأضاحي لن يقاس فقط بعدد المخالفات التي ستسجلها السلطات، ولا بعدد نقاط البيع التي قد تغلق، بل سيقاس بسؤال واحد يعرفه المواطن جيداً، هل سينخفض السعر فعلاً، وهل سيشعر المواطن بأن الدعم الذي خرج باسمه عاد إليه في ثمن معقول.
أما إذا بقيت الأسعار ملتهبة، وبقي كبار المستفيدين في الظل، وبقي الفارق بين كلفة الاستيراد وثمن البيع بلا تفسير رسمي مقنع، فإن القرار سيبدو كحارس قوي عند باب السوق، بينما تكون اللعبة الحقيقية قد جرت في مكان آخر، بعيداً عن عين المواطن، وقريباً جداً من المال العمومي.
