عاد ملف اكديم إزيك إلى واجهة النقاش الحقوقي من بوابة أممية ثقيلة، بعدما أعلنت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب خلاصات جديدة تتعلق بشكايات قدمها معتقلون جرى توقيفهم عقب تفكيك مخيم اكديم إزيك قرب العيون سنة 2010.
البلاغ الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لا يقدم نفسه كمعطى عابر في أرشيف قضية قديمة، بل كوثيقة قانونية تعيد طرح أسئلة دقيقة حول العلاقة بين العدالة وادعاءات التعذيب، وبين الأحكام القضائية والضمانات التي يفترض أن تحيط بمراحل البحث والتحقيق والمحاكمة.
وحسب ما أوردته اللجنة الأممية، فقد درست أربع شكايات مرتبطة بأشخاص جرى توقيفهم في أعقاب تفكيك المخيم، الذي قالت اللجنة، استناداً إلى رواية المشتكين، إنه ضم آلاف المحتجين المطالبين بتحسين أوضاع اجتماعية واقتصادية، وبالاحتجاج على ما اعتبروه تمييزاً في بعض السياسات المحلية.
القضية هنا لا تقف عند حدود واقعة تعود إلى سنة 2010، بل تتعلق بالخلاصات التي ذهبت إليها اللجنة وهي تتحدث، في تقييمها للشكايات المعروضة عليها، عن ادعاءات مرتبطة بسوء المعاملة، والعزل، وظروف الاستنطاق، واستعمال تصريحات متنازع بشأنها داخل مسارات قضائية انتهت بأحكام ثقيلة.
ومن الزاوية القانونية، فإن أخطر ما في البلاغ ليس فقط طبيعة الادعاءات، بل ملاحظة اللجنة بخصوص ما اعتبرته غياباً لتحقيق سريع ومحايد وفعال في مزاعم التعذيب وسوء المعاملة، خصوصاً حين تكون هذه المزاعم مرتبطة بتصريحات استُعملت لاحقاً كعناصر في المتابعة والإدانة.
اللجنة نقلت عن المشتكين أنهم تعرضوا، خلال مراحل التوقيف والاستنطاق والنقل والاحتجاز، لأشكال مختلفة من سوء المعاملة، من بينها الضرب، والتهديد، والعزل، والحرمان من الرعاية الطبية، وصعوبات في الولوج إلى المحامين والزيارات العائلية، وهي معطيات تظل، من حيث الصياغة المهنية، ادعاءات منسوبة إلى أصحاب الشكايات كما عرضتها الآلية الأممية.
لكن البعد الأثقل في الملف أن اللجنة لم تكتف بعرض رواية المشتكين، بل انتقلت إلى تقييم تعامل المسار القضائي مع هذه الادعاءات، مشيرة إلى أن بعض المزاعم لم تُسجل في وقتها بالشكل الكافي، ولم تُفتح بشأنها، حسب تقييمها، تحقيقات فورية تستجيب للمعايير الدولية المعمول بها في هذا النوع من القضايا.
وبحسب البلاغ نفسه، فإن الفحوص الطبية التي أُمرت لاحقاً، بعد مرور سنوات، لم تكن في نظر اللجنة كافية لتعويض تحقيق مستقل وفعال يجري في الوقت المناسب، خاصة أن بروتوكول إسطنبول يشدد على أهمية التوثيق المبكر والدقيق لادعاءات التعذيب وسوء المعاملة.
هنا يصبح السؤال أكبر من ملف اكديم إزيك وحده، كيف يمكن للعدالة أن تحمي أحكامها من الشك إذا لم تُفحص ادعاءات التعذيب في وقتها وبالجدية اللازمة؟ وكيف يمكن للمؤسسات القضائية أن تحصن قراراتها أمام الرأي العام والآليات الدولية إذا ظلت الاعترافات المتنازع بشأنها تحمل عبء الإثبات بدل أن تحمله تحقيقات مستقلة ومحاضر لا يطعن فيها أحد.
البلاغ أشار أيضاً إلى أن المشتكين قالوا إنهم أُجبروا، حسب روايتهم، على توقيع أو بصم تصريحات لم يكونوا يعرفون مضمونها، وأن هذه التصريحات استُعملت لاحقاً ضمن مسار المتابعة، بعدما حوكموا أولاً أمام محكمة عسكرية سنة 2013، ثم أمام محكمة الاستئناف بالرباط.
واعتبرت لجنة مناهضة التعذيب، في تقييمها للشكايات المعروضة عليها، أن هناك إخلالاً بعدد من الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقية مناهضة التعذيب، خاصة ما يتعلق بفتح تحقيق سريع ومحايد، وضمان الحق في الشكاية، وتوفير الإنصاف، ومراقبة ظروف الاحتجاز والاستنطاق، واستبعاد أي دليل يثبت أنه انتزع تحت التعذيب.
وليست هذه اللجنة منظمة حقوقية عادية، بل آلية تعاهدية أممية مكونة من خبراء مستقلين، تراقب مدى تنفيذ الدول الأطراف لاتفاقية مناهضة التعذيب، وهو ما يمنح خلاصاتها وزناً قانونياً وسياسياً، حتى وإن كانت لا تلغي وحدها الأحكام الداخلية ولا تعوض المسارات القضائية الوطنية.
وفي توصياتها، دعت اللجنة المغرب إلى فتح تحقيقات محايدة وشاملة في ادعاءات التعذيب وفق المعايير الدولية، وإلى توفير جبر ضرر كامل للمشتكين عند الاقتضاء، بما يشمل التعويض وإعادة التأهيل، كما طلبت النظر في مراجعة الأحكام الجنائية الصادرة في حقهم وفق ما يسمح به القانون الداخلي.
وتبقى هذه الخلاصات صادرة عن آلية تعاهدية أممية بناءً على الشكايات المعروضة أمامها، ولا تشكل حكماً قضائياً بديلاً عن المسارات الوطنية، لكنها تفتح نقاشاً حقوقياً وقانونياً حول الضمانات والتحقيقات، وحول الطريقة التي ينبغي أن تُدار بها الملفات الحساسة حين تتقاطع فيها العدالة مع حقوق الإنسان.
خطورة البلاغ أنه يضع المغرب أمام امتحان دقيق، امتحان الدولة التي راكمت إصلاحات قانونية ومؤسساتية في مجال حقوق الإنسان، وامتحان الملفات الثقيلة التي لا تكفي فيها صورة الإصلاح العام ما لم تعالج التفاصيل المؤلمة داخل القضايا الفردية.
فالمغرب، وهو يسعى إلى تحصين صورته الحقوقية ومراكمة الثقة في مؤسساته، يحتاج في مثل هذه الملفات إلى جواب مؤسساتي واضح، تحقيقات جدية، تعليل قضائي مقنع، شفافية في المساطر، وضمانات تزيل الشبهة عن الاعترافات قبل أن تتحول إلى أساس للإدانة.
أما سياسياً، فإن عودة ملف اكديم إزيك من بوابة لجنة مناهضة التعذيب تضع الرباط أمام تحدي إدارة ملف حساس بهدوء قانوني، لأن قوة الجواب لا تكون في الانفعال، بل في القدرة على تقديم رد مؤسساتي يستند إلى التحقيق والتعليل واحترام الضمانات.
المطلوب في مثل هذه الملفات ليس التراجع أمام الضغط، ولا التسليم بكل رواية دون تمحيص، بل بناء جواب قوي من داخل القانون نفسه، فإذا كانت الادعاءات غير صحيحة فليثبت ذلك تحقيق مستقل وشفاف، وإذا كانت هناك اختلالات فإن معالجتها تقوي الدولة ولا تضعفها.
بهذا المعنى، لا يعود ملف اكديم إزيك مجرد قضية قديمة بين ماض أمني وحاضر حقوقي، بل يتحول إلى مرآة لاختبار أعمق، هل تستطيع العدالة أن تواجه الملفات الحساسة بمنطق الدولة الواثقة من مؤسساتها، أم ستظل بعض القضايا تعود كلما ظن الجميع أنها أُغلقت؟
