لم يكن افتتاح عبد الإله بنكيران لاجتماع الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، اليوم السبت 23 ماي، مجرد تذكير عابر بفضل الأيام العشر التي تسبق عيد الأضحى، ولا درساً دينياً منفصلاً عن جدول الأعمال، بل بدا كتمهيد محسوب لواحدة من أكثر الرسائل التنظيمية حساسية داخل الحزب، رسالة موجهة أساساً إلى الغاضبين من مسار التزكيات، وإلى من يعتبرون أنفسهم خارج الحسابات الانتخابية المقبلة.
بنكيران بدأ من الدين، لكنه كان يتحدث في السياسة.
استحضر فضل الأيام المباركة، والعمل الصالح، والذكر، والصيام، والتقوى، لكنه لم يكن يريد أن يبقى في فضاء الوعظ العام، بل جرّ الكلام تدريجياً نحو بيت الحزب الداخلي، حيث ملفات التزكية، وحسابات الغضب، وانتظارات المناضلين، وحساسية اللحظة التي تسبق كل محطة انتخابية.
الرسالة كانت واضحة لمن أراد أن يسمعها: التزكية ليست حقاً مضموناً، والغضب من عدم الحصول عليها لا ينبغي أن يتحول إلى تمرد ناعم أو ضغط تنظيمي أو فتح أبواب الحزب لمن يريد النيل منه.
في لحظة لافتة، قال بنكيران إن العدالة والتنمية ليس حزب ترضيات، ولا حزب تزكيات بالضغط، بل حزب يحاول أن يبقى سائراً في طريق الديمقراطية الداخلية إلى أبعد الحدود الممكنة، وهي عبارة تكشف أن التوتر حول اللوائح لم يعد هامساً في الكواليس، بل وصل إلى مستوى يستدعي تدخلاً مباشراً من الأمين العام.
الأهم في كلام بنكيران أنه لم ينكر وجود غضب، ولم يقدم صورة مثالية عن الحزب، بل اعترف ضمناً بأن هناك من لم تعجبه القرارات، وهناك من يرى نفسه أحق بالتزكية، وهناك من بدأ يتحرك أو يتكلم بطريقة لا ترضي القيادة، لكنه حاول أن يضع كل ذلك داخل إطار أخلاقي وديني، لا داخل مواجهة تنظيمية مفتوحة.
هنا تظهر براعة بنكيران القديمة، فحين يشتد الخلاف السياسي، يرفعه إلى مستوى المرجعية، وحين تصبح التزكية موضوع صراع، يحولها إلى امتحان في الصبر وحسن الظن والتجرد.
لكن خلف اللغة الهادئة، كان التحذير قاسياً، فهو حين استشهد بالآية التي تتحدث عن من يرضى إذا أُعطي ويسخط إذا لم يُعط، كان يوجه رسالة مباشرة إلى كل من يربط وفاءه للحزب بما سيحصل عليه من موقع انتخابي، وكأن بنكيران يقول لخصومه داخل البيت قبل خارجه: لا تجعلوا الحزب سلماً شخصياً، ولا تحولوا الخيبة من التزكية إلى خنجر في ظهر التنظيم.
الخطاب في عمقه يكشف أن العدالة والتنمية يدخل مرحلة دقيقة، فالحزب الذي خرج مثقلاً من تجربة حكومية صعبة ومن هزيمة انتخابية قاسية، يحاول اليوم إعادة ترتيب صفوفه، لكن ترتيب الصفوف لا يتم فقط بالشعارات، بل يبدأ من سؤال قديم يتجدد قبل كل انتخابات: من يستحق التزكية؟ ومن يقرر؟ ومن يغضب؟ ومن يصبر؟ ومن يستغل اللحظة لتصفية الحسابات؟.
بنكيران يعرف أن ملف التزكيات ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو أخطر اختبار لأي حزب قبل الانتخابات، لأنه يفضح حجم الانضباط الداخلي، ويكشف هل التنظيم ما زال يشتغل بمنطق الجماعة، أم بدأ يتحول إلى مجموعات مصالح صغيرة تنتظر نصيبها من اللوائح.
ولهذا بدا خطابه موجهاً إلى أكثر من جهة، إلى أعضاء الأمانة العامة حتى يتحملوا مسؤولية الاختيار، وإلى المناضلين في المدن والأقاليم حتى يقبلوا النتائج ولو على مضض، وإلى الغاضبين حتى لا يحولوا خيبة شخصية إلى أزمة حزبية، وإلى خصوم الحزب حتى لا يجدوا في التصدعات الداخلية مادة جاهزة للضرب.
بنكيران لم يقل كل شيء، لكنه قال ما يكفي.
قال إن هناك حالات لها مبررات قوية ومشروعة، لكنه أضاف أن الوقت ليس مناسباً لشرحها، وهذه الجملة وحدها تفتح باباً واسعاً للتأويل، لأنها تعني أن بعض قرارات التزكية أو عدم التزكية تحمل خلفيات تنظيمية وسياسية قد لا تكون ظاهرة للعموم، وأن القيادة تملك ما تقوله، لكنها تختار الصمت الآن حتى لا توسع الجرح.
بهذا المعنى، لم يكن الاجتماع مجرد محطة عادية لمواصلة النظر في ملفات الترشيح، بل كان لحظة ضبط داخلي، حاول فيها بنكيران أن يلبس القرار السياسي لبوساً أخلاقياً، وأن يطلب من الغاضبين أن يراجعوا أنفسهم قبل أن يراجعوا القيادة.
غير أن السؤال الأعمق يبقى معلقاً: هل يكفي الوعظ لاحتواء غضب التزكيات؟.
فالأحزاب لا تعيش فقط بالمبادئ، بل أيضاً بالإنصاف الداخلي، ووضوح المعايير، وعدالة الاختيار، والقدرة على إقناع القواعد بأن القرارات لم تُصنع في غرف ضيقة ولا بمنطق القرب والبعد، بل بمنطق المصلحة التنظيمية والسياسية.
بنكيران حاول أن يقول إن الحزب ما زال حزب مرجعية وقيم وديمقراطية داخلية، لكن امتحان هذه العبارة لن يكون في الخطاب، بل في طريقة تدبير اللوائح، وفي قدرة الحزب على الخروج من موسم التزكيات بأقل الخسائر وأكثر الانضباط.
ففي السياسة، كما في التنظيم، ليست المشكلة دائماً في من لم يحصل على التزكية، بل في الطريقة التي يشعر بها أنه أُبعد.
وهنا بالضبط تكمن الرسالة الثقيلة في كلام بنكيران: من لم يربح المقعد، لا ينبغي أن يخسر الحزب.
