بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن بلاغ حزب العدالة والتنمية مجرد وثيقة تنظيمية باردة تعلن عن أسماء وكلاء لوائح انتخابية، بل بدا كإشارة سياسية مبكرة إلى أن الحزب دخل عملياً أجواء انتخابات 23 شتنبر 2026، وأن عبد الإله ابن كيران بدأ يمسك واحداً من أكثر الملفات حساسية داخل البيت الحزبي: ملف التزكيات.
الأمانة العامة للحزب، التي اجتمعت يوم السبت 23 ماي 2026 بصفتها هيئة للتزكية، أعلنت الحسم في ما تبقى من وكلاء اللوائح الجهوية والمحلية، بعد التداول والتصويت السري، مستندة إلى النظام الأساسي والنظام الداخلي ومحاضر اللجان الجهوية والجموع العامة الإقليمية.
لكن خلف لغة المسطرة، توجد سياسة واضحة.
فالبيجيدي لا يوزع الأسماء فقط، بل يحاول إعادة ترتيب خريطته الانتخابية مبكراً، وتقديم صورة حزب يستعد لمعركة 2026 بانضباط تنظيمي، وبوجوه تجمع بين رمزية الماضي ومحاولة العودة إلى الحضور.
أبرز ما حمله البلاغ هو تزكية للا زهور مالكي وكيلة للائحة الجهوية عن دائرة درعة تافيلالت، وهي تزكية تضع الجهة داخل حسابات الحزب الانتخابية المبكرة، وتؤشر على رغبة القيادة في إغلاق بعض الملفات الحساسة قبل أن تتحول إلى نقاش داخلي مفتوح.
أما على مستوى اللوائح المحلية، فقد عاد اسم مصطفى الخلفي إلى الواجهة بعد تزكيته وكيلاً للائحة المحلية بدائرة الرباط المحيط، في اختيار لا يمكن عزله عن رمزية الرجل داخل الحزب، باعتباره وجهاً حكومياً وحزبياً سابقاً، وواحداً من الأسماء التي ارتبطت بمرحلة صعود العدالة والتنمية إلى مواقع القرار.
وفي العاصمة أيضاً، زكى الحزب محمد الطاهري بدائرة الرباط شالة، بينما حملت لوائح سلا اسمي كمال الكوكي في سلا المدينة، وعزيز هناوي في سلا الجديدة.
كما شملت التزكيات سعيد كتماني بدائرة بن مسيك، وعمر بلاطيف بدائرة البرنوصي، وصلاح الدين عياش بدائرة سيدي يوسف بن علي بمراكش، ومراد وجد بدائرة الرحامنة، وحنان المعروفي بدائرة الحسيمة، ومصطفى التاقوري بدائرة بركان، وعبد العزيز الرجاني بدائرة الفقيه بن صالح، ورشيد السليماني بدائرة تيفلت الرماني بإقليم الخميسات.
هذه الأسماء ليست مجرد لائحة إدارية، بل مؤشرات على الطريقة التي يريد بها البيجيدي دخول الاستحقاق المقبل: حضور في الرباط وسلا، محاولة تثبيت مواقع في دوائر حضرية ومتوسطة، واستدعاء وجوه معروفة قادرة على منح الحزب شيئاً من الزخم السياسي والإعلامي قبل بداية الحملة الانتخابية.
البلاغ حرص على تكرار عبارات التداول الحر والتصويت السري واحترام المساطر، وهي لغة تبدو موجهة أساساً إلى الداخل الحزبي، حيث تعرف القيادة أن معركة التزكيات قد تكون أحياناً أصعب من معركة الخصوم.
فالتزكية داخل الأحزاب ليست ورقة عادية، بل باب يفتح أمام البعض ويغلق أمام آخرين، وقد تتحول إلى مصدر غضب صامت أو انشقاق ناعم إذا لم تُحسن القيادة تدبيرها.
من هنا تبدو بصمة ابن كيران حاضرة في البلاغ، ليس فقط باعتباره أميناً عاماً، بل باعتباره رجلاً يعرف أن أي عودة انتخابية محتملة تبدأ أولاً من ضبط البيت الداخلي، ومن منع نار التزكيات من أن تسبق نار الحملة.
غير أن السؤال الكبير لا يتعلق فقط بمن حصل على التزكية.
السؤال الأثقل هو: هل تكفي هذه الأسماء لإعادة البيجيدي إلى الواجهة؟.
فالانتخابات المقبلة لن تختبر اللوائح وحدها، بل ستختبر ذاكرة الناخب، وثقة الشارع، وقدرة الحزب على إقناع الناس بأنه تجاوز صدمة الماضي، وأنه لم يعد فقط إلى توزيع التزكيات، بل إلى صناعة عرض سياسي قادر على المنافسة.
بلاغ البيجيدي أغلق جزءاً من دفتر الأسماء.
لكن دفتر السياسة ما زال مفتوحاً.
وبين مصطفى الخلفي في الرباط، وللا زهور مالكي في درعة تافيلالت، وباقي وكلاء اللوائح في سلا وبن مسيك والبرنوصي ومراكش والرحامنة والحسيمة وبركان والفقيه بن صالح والخميسات، يبدو أن الحزب أرسل رسالته الأولى: معركة 2026 بدأت من الداخل، ومن لم يضبط لوائحه اليوم، قد يدفع ثمنها غداً.
