بعد خمس سنوات على تسليم تقرير النموذج التنموي الجديد إلى الملك محمد السادس، يعود النقاش من جديد حول المسافة الفاصلة بين الطموح المكتوب على الورق، والواقع الذي يعيشه المغاربة في تفاصيلهم اليومية.
فالتقرير الذي أعدته اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي جاء بعد دعوة ملكية سنة 2019 إلى التفكير في صيغة جديدة للتنمية، قادرة على تجاوز أعطاب النموذج السابق، وفتح أفق أوسع أمام الاقتصاد والتعليم والحكامة والعدالة المجالية والرأسمال البشري.
واشتغلت اللجنة، طيلة عامين تقريباً، على لقاءات واسعة مع مسؤولين حكوميين، ومؤسسات رسمية، وفاعلين مدنيين، وجمعيات، وخبراء، قبل أن تقدم تصوراً يمتد من سنة 2021 إلى سنة 2035، يقوم على اقتصاد منتج ومتنوع، وتعليم أكثر نجاعة، ومنافسة سليمة، ورأسمال بشري قوي، وديمقراطية تشاركية، وجهات قادرة على صناعة جزء من مستقبلها.
غير أن السؤال الذي يطرحه الكاتب إدريس الكنبوري، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، لا يتعلق بجمال العناوين ولا بسقف الطموحات، بل بقدرة البنية السياسية والإدارية على تحويل هذه الوثيقة إلى واقع ملموس.
فالسنوات التي أعقبت صدور التقرير، حسب قراءة الكنبوري، أظهرت أن التقارير التي تنتجها اللجان الكبرى تظل، في الغالب، الأقل تنفيذاً، لأنها تقدم صوراً وردية وطموحات واسعة، لكنها تصطدم عند النزول إلى الواقع ببنية قديمة، ونخب لم تتغير، ومصالح متجذرة، وإدارة مثقلة بعقود من الأعطاب.
والأكثر دلالة في هذه القراءة أن صدور النموذج التنموي الجديد تزامن مع مرحلة سياسية يعتبرها الكنبوري من أكثر المراحل قتامة في تاريخ العمل الحكومي بالمغرب، بسبب ما وصفه بتصاعد الريع، وتضارب المصالح، واستغلال النفوذ، وضرب القدرة الشرائية، وتراجع الحيوية السياسية والإعلامية.
هنا يصبح السؤال أعمق من التقرير نفسه: هل يمكن لنموذج تنموي جديد أن ينجح بأدوات قديمة؟
وهل تستطيع وثيقة مليئة بالوعود الكبرى أن تنتج تحولاً حقيقياً، إذا ظلت مفاتيح التنفيذ في يد نفس العقليات التي ساهمت، بشكل أو بآخر، في صناعة جزء من الأزمة؟
الفكرة المركزية في تدوينة الكنبوري أن التنمية ليست هندسة لغوية، ولا تجميعاً للتوصيات، ولا رسماً لأهداف بعيدة المدى فقط، بل هي قبل كل شيء مسألة نخبة، وقانون، ومحاسبة، وحرية، وإرادة سياسية.
فلا يمكن لأي نموذج تنموي أن ينجح، في نظره، من دون نخبة جديدة تحمل روحاً مختلفة في تدبير الشأن العام، ومن دون إصلاح عميق يعيد الثقة إلى الإدارة والمؤسسات، ويواجه ما تراكم فيها من أعطاب الريع والمحسوبية والفساد الصغير والكبير.
كما لا يمكن، وفق المنطق نفسه، أن تتحول التنمية إلى مشروع جماعي حقيقي إذا لم يطبق القانون على الجميع، وإذا لم تمتد المحاسبة إلى الفاسدين الكبار قبل الصغار، وإذا بقيت الحريات محاصرة، والنقاش العمومي مشلولاً، والسياسة مجرد واجهة بلا قدرة فعلية على التصحيح.
إن مأزق النموذج التنموي الجديد، كما يقدمه هذا النقاش، لا يكمن في قوة التقرير أو ضعفه فقط، بل في البيئة التي يفترض أن تنفذه.
فالوثيقة، مهما كانت متقدمة، ستتعثر إذا وجدت أمامها نفس البنية التي عطلت نماذج سابقة، ونفس منطق توزيع المنافع، ونفس الإدارة التي تجيد إنتاج المساطر أكثر مما تجيد إنتاج الأثر.
ولهذا تبدو عبارة الكنبوري في نهاية تدوينته الأكثر كثافة في تلخيص الإشكال: المهم ليس تغيير المفتاح، بل تغيير الخازن.
فحين يسلم مفتاح جديد لنفس اليد التي كانت تدبر الباب القديم، لا ينبغي انتظار معجزة تنموية كبرى.
وحين تبقى النخب نفسها، والعقليات نفسها، وشبكات المصالح نفسها، فإن أجمل التقارير قد تتحول إلى نصوص أنيقة في رفوف الدولة، لا إلى مشروع يغير حياة الناس.
بعد خمس سنوات، يبدو النموذج التنموي الجديد أمام امتحان لم يعد نظرياً.
إما أن يتحول إلى تعاقد حقيقي يربط الطموح بالمحاسبة، والإصلاح بتجديد النخب، والقانون بالمساواة، أو يبقى وثيقة أخرى في أرشيف كبير من التقارير التي قالت كل شيء، ثم تركت الواقع يمشي في الاتجاه المعاكس.
