أعاد لقاء رسمي بين اللجنة الاقتصادية الأوراسية وسفارة المغرب في روسيا تسليط الضوء على موقع المملكة داخل خريطة التحولات التجارية الدولية، في وقت تبحث فيه كتل اقتصادية كبرى عن شركاء قادرين على الربط بين الأسواق الإقليمية والفضاءات القارية الأوسع.
وأعلنت اللجنة الاقتصادية الأوراسية، في بلاغ نشرته يوم 2 يونيو 2026، أن وزيرها المكلف بالاندماج والاقتصاد الكلي، دانيار إيمانالييف، بحث مع سفير المغرب لدى روسيا، لطفي بوشعرة، سبل تطوير التعاون بين اللجنة وحكومة المملكة المغربية.
وحسب البلاغ نفسه، فقد أكد المسؤول الأوراسي أن التعاون التجاري والاقتصادي بين الاتحاد الاقتصادي الأوراسي والمغرب يتوفر على إمكانات مهمة، مشيراً إلى أن المبادلات التجارية بين الطرفين حافظت على دينامية إيجابية خلال سنة 2025، بعدما ارتفعت بنسبة 17 في المائة، لتتجاوز ملياري دولار.
ورغم أن هذا الرقم يبقى محدوداً مقارنة بحجم المبادلات التجارية للمغرب مع الاتحاد الأوروبي، فإنه يحمل دلالة سياسية واقتصادية لافتة، لأنه يأتي في سياق دولي يعرف تنافساً متزايداً على المواقع التجارية القريبة من أوروبا، والمفتوحة في الوقت نفسه على إفريقيا.
فالرباط لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها شريكاً اقتصادياً تقليدياً في جنوب المتوسط، بل باعتبارها منصة محتملة للعبور نحو أسواق أوسع، خاصة في القارة الإفريقية. وهي النقطة التي أشار إليها السفير المغربي، بحسب البلاغ، حين أبرز الإمكانات التي يتيحها المغرب أمام دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي لتطوير علاقاتها التجارية والاقتصادية مع إفريقيا.
ويضم الاتحاد الاقتصادي الأوراسي كلاً من روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقيرغيزستان، وهو فضاء اقتصادي يسعى إلى تعزيز حضوره التجاري خارج محيطه التقليدي، في ظل إعادة تشكل سلاسل الإمداد والتحالفات الاقتصادية بعد الأزمات الجيوسياسية والاضطرابات التي عرفتها التجارة العالمية خلال السنوات الأخيرة.
ولم يعلن البلاغ عن اتفاق جديد، ولا عن إطلاق مفاوضات حول منطقة تبادل حر، وهو ما يفرض قراءة الخبر بقدر من الحذر المهني. غير أن أهميته تكمن في كونه يكشف استمرار اهتمام الفضاء الأوراسي بالمغرب، وعودة مذكرة التعاون الموقعة بين الطرفين في الرباط سنة 2017 إلى الواجهة.
وتهدف تلك المذكرة، حسب اللجنة الاقتصادية الأوراسية، إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية، وتنويع الروابط التجارية، وتسهيل الولوج المتبادل إلى الأسواق، إضافة إلى إطلاع الدوائر الرسمية ومجتمعات الأعمال على التطورات التنظيمية والفرص المتاحة في مختلف المجالات.
وتبرز نقطة تقنية أخرى داخل البلاغ، تتعلق باستفادة المغرب من نظام التفضيلات الجمركية داخل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، بما يسمح لبعض السلع المغربية بالولوج إلى أسواق الاتحاد برسوم مخفضة أو صفرية. وهي آلية قد تفتح، إذا جرى استثمارها بفعالية، فرصاً أمام عدد من الصادرات المغربية داخل أسواق غير تقليدية.
غير أن الرهان الأساسي بالنسبة إلى المغرب لا يكمن فقط في تعدد الشركاء أو في اتساع دائرة الاهتمام الخارجي بالمملكة، بل في القدرة على تحويل هذه الدينامية إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، من خلال توسيع الصادرات، ودعم المقاولات الوطنية، وخلق فرص شغل، وتنويع الأسواق خارج المسارات التجارية المعتادة.
فالموقع الجغرافي للمغرب يمنحه أفضلية واضحة، لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي لصناعة القيمة. وما تحتاجه المرحلة هو رؤية تجارية وصناعية قادرة على تحويل اهتمام الكتل الكبرى بالمغرب إلى قوة تفاوضية وإنتاجية، لا مجرد اعتراف جديد بأهمية موقع المملكة.
ويأتي هذا التحرك الأوراسي في وقت تواصل فيه أوروبا تعزيز شراكتها الاقتصادية مع المغرب، بينما توسع الصين حضورها الصناعي والاستثماري داخل المملكة، خاصة في قطاعات مرتبطة بالطاقات الجديدة وسلاسل القيمة الموجهة نحو الأسواق الدولية.
وبين أوروبا والصين والفضاء الأوراسي وإفريقيا، يجد المغرب نفسه أمام فرصة استراتيجية، لكنها فرصة مشروطة بحسن التدبير. فكلما تعددت الأبواب المفتوحة، زادت الحاجة إلى سياسة اقتصادية تعرف بدقة ماذا تريد، ومع من تتفاوض، وأي قيمة مضافة تريد أن تحتفظ بها داخل البلاد.
بلاغ اللجنة الاقتصادية الأوراسية لا يدعو إلى المبالغة، لكنه يستحق الانتباه. فهو يعكس، بلغة هادئة وأرقام واضحة، أن المغرب أصبح جزءاً من حسابات تجارية أوسع من جواره التقليدي، وأن موقعه الاقتصادي يثير اهتمام كتل كبرى لا تريد ترك فضاء الرباط مفتوحاً أمام منافس واحد.
