بقلم: الباز عبدالإله
نشر البنك الإفريقي للتنمية، يوم 2 يونيو 2026، تقرير تتبع جديداً لشهر ماي 2026 حول برنامج تحسين التنافسية الترابية بالمغرب، المعروف اختصاراً بـ PARACT-M، وهو برنامج ممول في إطار تمويل قائم على النتائج، بقيمة 200.31 مليون يورو، أي ما يعادل حوالي 2.143 مليار درهم.
البرنامج، الذي جرى توقيع اتفاق تمويله في يوليوز 2024، يهدف إلى دعم تنافسية الجهات المغربية، وتحسين بيئة الاستثمار المحلي، وتقوية النسيج الصناعي الجهوي، وجذب مزيد من المستثمرين، بما يسمح بخلق فرص شغل وتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.
وتكمن أهمية التقرير الجديد في كونه لا يقدم قراءة سياسية عامة، بل يعرض مؤشرات تتبع مرتبطة ببرنامج يقوم أساساً على منطق النتائج. وهذا يعني أن تقييمه لا يرتبط فقط بعدد الاجتماعات أو الاتفاقيات الموقعة، بل بمدى تحرك المؤشرات الاقتصادية والجهوية على الأرض.
حسب المعطيات المنشورة، حقق البرنامج تقدماً واضحاً في بعض المؤشرات المرتبطة بالحركية المؤسساتية. فقد انتقل عدد الاتفاقيات أو البروتوكولات الموقعة من أجل إنجاز بنيات صناعية من اتفاقيتين كخط أساس إلى ثماني اتفاقيات، وهو ما يطابق الهدف المحدد.
كما بلغ عدد الأحداث المنظمة من طرف الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات 120 حدثاً، مقابل 90 في خط الأساس، وهو أيضاً المستوى المستهدف في البرنامج.
وسجل عدد المستفيدين الجدد من برامج دعم المقاولات ارتفاعاً إلى 163 مستفيداً، متجاوزاً الهدف المحدد في 150 مستفيداً.
هذه المؤشرات تعكس وجود دينامية تنظيمية ومؤسساتية داخل البرنامج، وتؤكد أن جزءاً من الآليات المبرمجة بدأ يتحرك، خاصة في ما يتعلق بالترويج للاستثمار، وتوقيع الاتفاقيات، وتوسيع قاعدة المستفيدين من برامج دعم المقاولات.
غير أن قراءة باقي المؤشرات تفتح نقاشاً أعمق حول الفارق بين الإنجاز الإداري والأثر الاقتصادي الفعلي داخل الجهات.
فعدد المقاولات الصافية المحدثة في الجهات ظل، حسب المعطيات المنشورة، عند مستوى 54,250 مقاولة، مقابل هدف محدد في 63,250 مقاولة.
كما بقي المبلغ الإجمالي للاستثمارات المبرمجة بموجب الاتفاقيات والعقود والبروتوكولات في حدود 24 مليار درهم، مقابل هدف يبلغ 40 مليار درهم.
وتظهر مؤشرات أخرى أن حصة الاستثمار الخاص من الناتج الداخلي الخام بقيت عند 22.5 في المائة، مقابل هدف محدد في 24.2 في المائة، فيما ظلت حصة القيمة المضافة عند 12.6 في المائة، مقابل هدف يبلغ 13.4 في المائة.
ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة فشل البرنامج، خصوصاً أنه يمتد إلى غاية سنة 2028. لكنها تكشف أن بعض المؤشرات الاقتصادية الأساسية لم تظهر بعد التحول المنتظر، مقارنة بالمؤشرات المرتبطة بالاتفاقيات والأنشطة والتعبئة المؤسساتية.
وتزداد أهمية هذا النقاش حين يتعلق الأمر ببرنامج موجه إلى التنافسية الترابية. فالجهات لا تحتاج فقط إلى اتفاقيات جديدة، بل إلى استثمارات فعلية، ومقاولات قادرة على النمو، ومناصب شغل مستقرة، وقيمة مضافة تنعكس على الاقتصاد المحلي.
كما يلفت التقرير الانتباه إلى مؤشرات مرتبطة بإصلاح منظومة الصفقات العمومية، من بينها إعداد دلائل وكتيبات اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية، والتقييم الذاتي لمنظومة الصفقات وفق منهجية MAPS II، حيث لا يظهر تقدم واضح في بعض هذه الجوانب حسب المعطيات المتاحة.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة، لأن الصفقات العمومية ليست تفصيلاً تقنياً في ورش التنافسية، بل تعد من مداخل تعزيز الثقة، وتحسين الحكامة، وربط المال العمومي بالنتائج، خصوصاً عندما يتعلق الأمر ببرامج ممولة وفق مؤشرات أداء محددة.
بهذا المعنى، يضع تقرير البنك الإفريقي للتنمية برنامج التنافسية الترابية أمام سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل الجهوية الاقتصادية من هندسة برامج واتفاقيات إلى أثر ملموس داخل التراب؟
فالمغرب راكم خلال السنوات الأخيرة خطاباً قوياً حول الجهوية المتقدمة، والاستثمار الجهوي، وتقليص الفوارق المجالية. غير أن التحدي الحقيقي لم يعد في إنتاج البرامج فقط، بل في جعل الجهات قادرة على جذب الاستثمار الخاص، وخلق نسيج مقاولاتي محلي، وتحويل المؤشرات إلى نتائج يلمسها المواطنون.
القراءة المهنية للوثيقة لا تسمح بأحكام متسرعة، لكنها تبرز حاجة واضحة إلى تتبع دقيق للمؤشرات التي لم تتحرك بعد بالوتيرة المطلوبة.
فالاتفاقيات مهمة، والتمويل مهم، والدعم التقني ضروري، لكن معيار النجاح النهائي سيظل مرتبطاً بما تنتجه هذه البرامج من استثمار وشغل وقيمة مضافة داخل الجهات.
برنامج PARACT-M ما زال في طور التنفيذ، وأمامه هامش زمني إلى غاية 2028. غير أن تقرير ماي 2026 يقدم لحظة مناسبة لطرح سؤال الأثر، لا من باب التشكيك، بل من باب تقييم السياسات العمومية بمنطق النتائج.
فالتنافسية الترابية لا تقاس فقط بعدد البروتوكولات الموقعة، بل بقدرة كل جهة على أن تتحول إلى فضاء اقتصادي منتج، جاذب للاستثمار، ومساهم فعلي في خلق الشغل والثروة.
