تشكل الأعطال التقنية جزءاً من المخاطر التشغيلية لأي شركة طيران، ولا توجد مؤسسة بمنأى عن أعطاب الصيانة الطارئة. غير أن الفرق بين شركة تحترم زبناءها وشركة تكتفي بتدبير الارتباك يظهر في لحظة الأزمة، حين يصبح التواصل والوضوح والاعتذار جزءاً من الخدمة، لا ترفاً إدارياً.
وحسب معطيات أوردتها مصادر إعلامية، فإن ما وقع في رحلة الخطوط الملكية المغربية AT201 بمطار جون إف كينيدي بنيويورك لم يكن مجرد تأخير فني، بل كان اختباراً محرجاً لصورة الناقل الوطني، بعدما وجد مسافرون أنفسهم أمام انتظار ثقيل، ومن تواصل اعتبروه دون مستوى القلق الذي عاشوه داخل الرحلة.
المسافر لا يطلب من الشركة أن تلغي الأعطال من قاموس الطيران. يطلب فقط أن تحترم حقه في المعلومة، وفي الحد الأدنى من الرعاية، وفي تعامل يليق بثمن التذكرة وباسم شركة تحمل صفة الناقل الوطني. فالعطب التقني يمكن فهمه، أما ارتباك التواصل فيصعب تبريره.
وتزداد حساسية السؤال حين يتعلق الأمر بمؤسسة تستفيد من موقع استراتيجي داخل السياسة العمومية للنقل الجوي، ومن مواكبة مالية واعتبارية مرتبطة بصورة المغرب ورهاناته الكبرى. فحين يساهم المال العمومي، بشكل مباشر أو غير مباشر، في دعم مشروع التوسع والتحديث، يصبح دافع الضرائب معنيا أيضاً بجودة الخدمة، لا فقط بكلفة الطائرات والخطط المعلنة.
هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نريد ناقلاً وطنياً كبيراً في الأرقام فقط، أم مؤسسة عمومية الروح، تجارية الأداء، دولية المعايير، وتعرف أن سمعة المغرب لا تُحمى بالشعارات، بل بطريقة التعامل مع المسافر حين تتعطل الرحلة وتتوتر الأعصاب؟.
الرهان على مونديال 2030 لا يُقاس بعدد الطائرات الجديدة وحده، بل بقدرة المؤسسات على استقبال العالم بعقلية مختلفة. فالطائرة الجديدة قد تفتح خطاً جوياً، لكنها لا تفتح ثقة الزبون إذا بقيت ثقافة الخدمة قديمة.
“لارام” ليست شركة عادية في الوعي الجماعي للمغاربة. إنها تحمل اسم البلد في المطارات، وترافق الجالية في عودتها، وتقدم نفسها كواجهة جوية للمملكة. لذلك، فإن أي ارتباك في تدبير أزمة ركاب لا يبقى مجرد حادثة داخلية، بل يتحول إلى سؤال حول الحكامة، وجودة الخدمة، ومدى استعداد المؤسسة للمرحلة المقبلة.
الدعم العمومي، حين يوجد، لا ينبغي أن يُقرأ كامتياز بلا مقابل، بل كالتزام مضاعف تجاه المواطنين. فالمغاربة لا ينتظرون من الناقل الوطني أن يكون مثالياً، بل ينتظرون منه أن يكون واضحاً، مسؤولاً، ومحترماً لزبنائه حين تقع الأزمة.
المطلوب من “لارام” ليس مبرراً تقنياً بارداً، بل توضيح مهني ومراجعة جدية لبروتوكولات إدارة الأزمات. ماذا وقع؟ كيف تم التعامل مع الركاب؟ هل تم توفير المعلومة والرعاية الضروريتين؟ وما الذي سيتغير حتى لا تتحول أعطال عادية إلى أزمات تمس صورة الشركة والبلد؟.
فالطائرة قد تُصلح بقطع غيار، أما الثقة فإذا تعطلت، فلن يكفي لإصلاحها أسطول جديد، ولا عقد برنامج، ولا شعارات استعداد للمونديال. ما تحتاجه “لارام” اليوم هو ثقافة خدمة تليق بناقل يحمل اسم المغرب.
