لم تكن العبارة التي نطقت بها رحمة بورقية، رئيسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، اليوم الثلاثاء 21 يوليوز 2026 بالرباط، مجرد ملاحظة أكاديمية عابرة حول اختلاف الأجيال.
فقد وضعت، من داخل مؤسسة دستورية مكلفة بتقييم منظومة التعليم، إصبعها على واحدة من أثقل خلاصات السياسة العمومية في المغرب: الأجيال تتغير بسرعة، بينما تظل المناهج والبرامج وتكوين الأساتذة وتأطيرهم ومواكبتهم أبطأ بكثير.
قالت بورقية بوضوح إن «سرعة إيقاع تعاقب الأجيال أعلى بكثير من سرعة إعداد المناهج والبرامج، وإعداد الأطر التربوية وتكوينها وتأطيرها ومواكبتها المستمرة».
وهي جملة تبدو تربوية في ظاهرها، لكنها تتحول سياسياً إلى سؤال عن حصيلة أكثر من عشر سنوات من الإصلاح، وعن الاعتمادات العمومية الضخمة التي رُصدت للتعليم، وعن المسؤولية حين تصل مؤسسة رسمية إلى هذه الخلاصة، بينما لم تعد المدرسة تسير بالسرعة نفسها التي يتحرك بها تلاميذها.
لم تبدأ قصة الإصلاح اليوم. المجلس نفسه بلور سنة 2015 «الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030»، ثم تحولت توجهاتها الأساسية إلى القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وتعاقبت بعدها البرامج الحكومية والمخططات القطاعية وخارطة الطريق 2022-2026، وتكررت عبارات الجودة والإنصاف وتكافؤ الفرص والمدرسة الجديدة والأستاذ المحفز والتلميذ المتحكم في التعلمات.
تغيرت أسماء الوزراء، وتبدلت الشعارات، وانتقلت المنظومة من «الرؤية الاستراتيجية» إلى «القانون الإطار»، ومن «النموذج التنموي» إلى «خارطة الطريق»، ثم إلى «المدارس الرائدة».
لكن الاعتراف الصادر اليوم يقول إن سرعة إعداد المناهج وتكوين الأطر ما تزال أقل من سرعة تعاقب الأجيال.
الأموال، في المقابل، لم تكن قليلة.
فوفق الأرقام التي قدمها رئيس الحكومة عزيز أخنوش أمام البرلمان، انتقلت ميزانية قطاع التعليم من 58 مليار درهم سنة 2021 إلى نحو 99 مليار درهم برسم سنة 2026.
وكانت الحكومة قد أعلنت تعبئة نحو 85 مليار درهم للقطاع سنة 2025.
وتشمل الاعتمادات المرصودة للمنظومة نفقات الموظفين والاستثمار والتسيير، إلى جانب الأثر المالي التدريجي لاتفاقات الحوار الاجتماعي، الذي قدرته الوثائق الحكومية بنحو 45 مليار درهم في أفق سنة 2026.
ولا يتعلق الأمر بغلاف مستقل يُضاف بالكامل إلى الميزانية السنوية للقطاع، بل بكلفة تُدمج تدريجياً في الاعتمادات المرصودة، خصوصاً تلك المرتبطة بالأجور والترقيات والتعويضات.
لذلك، لا يتعلق النقاش بغياب التمويل، بل بمدى تحوله إلى أثر ملموس داخل الأقسام.
كما أن هذه الأرقام لا تعني أن الأموال ضاعت أو اختُلست، ولا تسمح وحدها بإطلاق اتهامات من دون أدلة.
فجزء كبير من ميزانية التعليم يذهب إلى أجور مئات الآلاف من الموظفين، وإلى الترقيات والتعويضات والبناء والتجهيز والتسيير والدعم الاجتماعي وتوسيع التعليم الأولي.
لكنها تمنح المغاربة الحق الكامل في طرح السؤال الذي تتفاداه البلاغات الرسمية: ما الأثر الذي تحقق مقابل هذا الارتفاع الكبير في الإنفاق؟
لا تُقاس نجاعة السياسة التعليمية بحجم الميزانية وحده، كما لا يكفي أن تعلن الحكومة ارتفاع الاعتمادات لتعتبر الإصلاح ناجحاً. المعيار الحقيقي هو ما تغير داخل القسم: هل جرى تحديث المناهج بالسرعة المطلوبة؟ هل أصبح الأستاذ يتلقى تكويناً مستمراً يواكب التحولات الرقمية؟ هل يمتلك التلميذ المهارات الأساسية؟ هل تقلصت الفوارق بين مدرسة المدينة ومدرسة القرية؟ وهل أصبحت المؤسسة العمومية قادرة على التعامل مع جيل وُلد وسط الهواتف الذكية والخوارزميات والذكاء الاصطناعي؟
بورقية تقول إن «جيل ألفا» لا يمكن تعليمه وتكوينه بالأساليب نفسها التي استُعملت مع «جيل زد» والأجيال السابقة.
لكن من كان يفترض أن يستبق هذه الحقيقة؟ الأجيال لم تتغير فجأة صباح الثلاثاء، والرقمنة لم تظهر هذا الأسبوع، والذكاء الاصطناعي لم يطرق أبواب المدارس من دون سابق إنذار.
أكثر من عشر سنوات مرت منذ إطلاق رؤية 2015-2030، وكان يفترض أن يكون الاستشراف والتحديث المستمر للمناهج والتكوين جزءاً أصيلاً من الإصلاح، لا خلاصة نكتشفها بعد انقضاء أكثر من ثلثي مدته الزمنية.
الأكثر إثارة أن المجلس يستعد الآن لإنجاز «إطار الأداء» لتقييم المنظومة خلال الفترة الممتدة من 2015 إلى 2025، إلى جانب تقرير تحليلي لعشرية الإصلاح وأطلس ترابي للتفاوتات التعليمية. كما أعلنت بورقية أن مناقشة تقارير تقييم حصيلة عشر سنوات ستكون في أكتوبر المقبل، بينما يُنتظر استكمال تحليل معطيات البرنامج الوطني لتقييم مكتسبات التلاميذ في دجنبر.
هنا يبرز سؤال التوقيت: لماذا يحتاج الرأي العام إلى انتظار سنة 2026 لمعرفة الحصيلة الدقيقة لعشرية بدأت سنة 2015؟ كيف استمرت الميزانيات والبرامج والتجارب وعمليات التعميم قبل وضع نتائج عشر سنوات كاملة أمام المواطنين والبرلمان؟ وهل كان تمويل الإصلاح مرتبطاً بمؤشرات أداء واضحة ومعلنة، أم إن كل مرحلة كانت تنتهي بإطلاق مرحلة جديدة وشعار جديد؟
المجلس الأعلى للتربية والتكوين ليس هو الجهة الحكومية التي تنفذ الميزانية أو تدبر المدارس والأساتذة، ولا يجوز تحميله وحده مسؤولية تعثر التنفيذ.
دوره دستوري واستشاري وتقييمي، بينما تقع مسؤولية التنزيل أساساً على الحكومات المتعاقبة والوزارات المعنية والأكاديميات الجهوية ومختلف المتدخلين.
لكن المجلس نفسه لا يمكن أن يكتفي بإصدار التقارير والآراء ثم الحديث عن «أثره وفعاليته» من دون أن يكشف للرأي العام أي توصيات طُبقت، وأيها بقيت في الرفوف، ومن لم يتفاعل معها، وما الكلفة التي ترتبت عن ذلك.
المحاسبة المطلوبة هنا لا تعني البحث المتسرع عن متهم أو اختزال أزمة مركبة في اسم وزير واحد.
إنها محاسبة للسياسات والقرارات والنتائج: نشر مؤشرات التنفيذ سنة بسنة، ومقارنة الاعتمادات بالأهداف، وتحديد المسؤول عن التأخير، وافتحاص البرامج التي لم تحقق أثرها، والكشف عن مصير التوصيات الرسمية.
كما تقتضي المحاسبة أن يمارس البرلمان رقابة حقيقية على النتائج، لا أن يكتفي بالتصويت على ميزانيات جديدة بعد عروض تمتلئ بالنسب والمشاريع.
فالسياسة العمومية لا تُحاسب فقط على عدد المدارس التي أُدرجت في برنامج ما، بل على ما إذا كان التلاميذ داخلها قد تعلموا فعلاً، وما إذا كان الأستاذ قد حصل على التكوين والمواكبة اللازمين، وما إذا كانت الفوارق التعليمية قد تقلصت.
ما قيمة زيادة الميزانية إذا ظل المنهاج يصل متأخراً؟ وما جدوى تجهيز المؤسسات بالتكنولوجيا إذا لم يتغير التكوين وطرق التدريس؟ ومن يتحمل مسؤولية استمرار الفجوة بين زمن التلميذ وزمن الإدارة؟ وهل تخضع البرامج التي لم تحقق أهدافها لأي تقييم يرتب المسؤولية، أم يجري استبدال أسمائها وإعادة تقديمها في غلاف جديد؟
الإنفاق على التعليم ضرورة وطنية وليس تبذيراً في حد ذاته، ورفع أجور نساء ورجال التعليم وتحسين أوضاعهم حق وليس مالاً ضائعاً.
لكن المال العمومي لا تُقاس شرعية إنفاقه فقط بسلامة صرفه المحاسبي، بل أيضاً بالأثر الذي يتركه في حياة التلميذ وجودة المدرسة.
وقد تكون الفجوة بين الاعتمادات والنتائج ناتجة عن ضعف الحكامة، أو سوء ترتيب الأولويات، أو بطء القرار، أو تشتت المسؤوليات، أو غياب التقائية حقيقية بين المتدخلين.
وتحديد السبب بدقة هو وظيفة التقييم والرقابة، وليس مهمة المواطن الذي دفع الضرائب وانتظر النتيجة.
عبارة بورقية، لذلك، لا ينبغي أن تمر باعتبارها وصفاً محايداً لتحول الأجيال.
إنها اعتراف رسمي بوجود فجوة زمنية داخل السياسة التعليمية: جيل يتقدم بسرعة، ومدرسة تحاول اللحاق به بمناهج وتكوين وآليات تدبير أبطأ منه.
بعد أكثر من عشر سنوات على إطلاق رؤية 2030، ووسط اعتمادات مرصودة لقطاع التعليم تقارب 99 مليار درهم برسم سنة 2026، لم يعد مقبولاً أن ينتهي كل تقييم بتوصية لإطلاق إصلاح جديد. المطلوب أولاً هو نشر حصيلة ما تحقق وما تعثر، وربط كل هدف بميزانيته والجهة المسؤولة عنه، وإخبار المغاربة بمن نجح ومن أخفق ولماذا.
فحين تعترف مؤسسة دستورية بأن الأجيال سبقت المناهج وتكوين المدرسين، لا يكفي أن نصفق لجرأة التشخيص.
السؤال الذي يجب أن يبدأ بعده مباشرة هو: من ترك المدرسة تتأخر كل هذه السنوات، وأين أثر المليارات، ومتى تبدأ محاسبة السياسات بدل الاكتفاء بتغيير أسمائها؟
