لا تحتاج مراكش إلى عاصفة جديدة كي تكشف حساسية العلاقة بين التعمير والعقار والسلطة. يكفي أن تطفو وثيقة غير منشورة على سطح النقاش حتى يعود السؤال الثقيل إلى الواجهة: من يرسم مستقبل المدينة، منطق التخطيط العمومي أم ضغط المصالح الخاصة؟
المعطيات التي أعاد موقع “أشكاين” تداولها، استناداً إلى تحقيق نشرته منصة “لوديسك”، تضع المخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية لمراكش الكبرى في قلب نقاش حساس، لا يتعلق فقط بخريطة تقنية تحدد مناطق البناء والفلاحة والتوسع، بل بمنظومة كاملة يفترض أن تضمن الفصل بين القرار العمومي والمصلحة العقارية.
القصة تبدأ من جماعة تسلطانت، حيث تشير المعطيات المنشورة إلى امتلاك عائلة فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة وعمدة مراكش، لعقارات بالمنطقة.
ووفق ما أورده التحقيق، فإن مشروع المخطط التوجيهي كان يصنف هذه الأراضي ضمن “منطقة فلاحية محمية”، وهو تصنيف من شأنه أن يحد قانونياً وعملياً من إمكانية تحويلها إلى مشاريع عقارية أو استثمارية.
هنا يصبح الملف أكبر من خلاف إداري حول وثيقة تعمير. نحن أمام سؤال حكامة: هل يمكن لمسؤولة تجمع بين الإشراف على قطاع التعمير ورئاسة جماعة ترابية كبرى أن تبقى بعيدة عن أي شبهة تضارب مصالح حين يتعلق الأمر بوثيقة قد يكون لها أثر مباشر على قيمة ممتلكات عائلية؟
التحقيق تحدث أيضاً عن لقاء جمع فريق “لوديسك” بكل من زهير المنصوري، شقيق الوزيرة، وخديجة الطالبي، مديرة ديوان عمدة مراكش.
ووفق الرواية المنشورة، فإن حضور مديرة الديوان إلى اللقاء على متن سيارة خدمة رسمية تابعة لمصالح الولاية أثار بدوره تساؤلات بشأن حدود استعمال الوسائل العمومية، والفصل الضروري بينها وبين المصالح الخاصة.
الأخطر في هذا النوع من الملفات ليس فقط ما يقال عن العقار، بل ما يمكن أن ينتجه الغموض من أزمة ثقة. فحين يتعلق الأمر بوثيقة استراتيجية بحجم المخطط التوجيهي لمراكش الكبرى، فإن التأخير أو التعثر أو الصمت لا يبقى مجرد تفصيل إداري، بل يتحول إلى مادة سياسية تفتح شهية التأويل وتضع المسؤولية العمومية تحت المجهر.
فاطمة الزهراء المنصوري ليست مجرد شخصية محلية في مراكش. هي وزيرة في قطاع التعمير، وعمدة لإحدى أهم المدن المغربية، وقيادية سياسية بارزة.
لذلك فإن أي معطيات تمس علاقة محيطها العائلي بوثائق التعمير لا يمكن التعامل معها كخبر عابر أو سجال محدود. الأمر يهم ثقة المواطنين في عدالة التخطيط المجالي، وفي حياد الإدارة، وفي قدرة المؤسسات على حماية المصلحة العامة من منطق النفوذ.
المسألة هنا لا تتعلق بإدانة جاهزة، ولا بمحاكمة سياسية خارج المؤسسات، بل بسؤال واضح: حين تكون وثيقة تعمير قادرة على رفع قيمة الأرض أو تجميدها، من يضمن أن القرار يبقى عمومياً وشفافاً ومحكوماً بالمصلحة العامة؟
وثائق التعمير ليست أوراقاً تقنية باردة. هي خرائط تصنع الثروة، وتحدد اتجاه الاستثمار، وترفع قيمة الأراضي أو تخفضها. لذلك، حين تحوم حولها شبهة تضارب مصالح، يصبح الوضوح واجباً سياسياً قبل أن يكون إجراءً إدارياً.
ما يحتاجه الملف اليوم ليس ضجيجاً دفاعياً ولا صمتاً إدارياً. يحتاج إلى توضيح رسمي دقيق: ما هو مصير المخطط التوجيهي لمراكش الكبرى؟ لماذا لم يخرج إلى العلن؟ هل تغير تصنيف تسلطانت؟ وما هي المراحل والمساطر التي قطعتها هذه الوثيقة قبل أن تتحول إلى موضوع نقاش عمومي؟
ومن حق جميع الأطراف المعنية تقديم توضيحاتها، كما أن من واجب الصحافة إسناد المعطيات إلى مصادرها، ومن الضروري قانونياً انتظار المواقف الرسمية.
لكن من حق الرأي العام أيضاً أن يسأل عن أسباب تعثر وثائق تعميرية بهذا الحجم، وعن مدى فعالية آليات الوقاية من تضارب المصالح داخل تدبير المجال العمراني.
المشكل أن الغموض في ملفات العقار لا يبقى غموضاً طويلاً. يتحول بسرعة إلى شبهة، ثم إلى أزمة ثقة، ثم إلى سؤال سياسي يلاحق كل المؤسسات المعنية.
وحين يتعلق الأمر بمدينة مثل مراكش، حيث يختلط العمران بالسياحة والاستثمار والضغط العقاري، يصبح كل تأخير في وثائق التعمير قابلاً لأكثر من قراءة.
قد تكون المعطيات المتداولة قابلة للنفي أو التصحيح أو التوضيح، وقد يقدم المعنيون رواية أخرى للوقائع. لكن المؤكد أن الملف وضع سؤالاً حاداً على طاولة المسؤولية: هل نريد تعميراً يصنع مدينة عادلة، أم تعميراً يحتاج المواطن إلى تحقيق صحفي كي يفهم من المستفيد من خرائطه؟
مراكش مدينة كبرى، وليست ضيعة مفتوحة على التأويل. ووثائق التعمير فيها ليست مجرد إجراءات إدارية، بل أدوات ترسم المستقبل وتعيد توزيع الفرص والثروة.
