بقلم: الباز عبدالإله
لم تكن وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فاكر أثناء تدخل أمني بمدينة بولونيا الإيطالية حادثاً عادياً يمكن اختزاله في عبارات التعزية أو في إعلان الثقة بالتحقيق القضائي، خصوصاً بعد انتشار تسجيل مصور أظهره ممدداً على بطنه، بينما كان عنصران من الشرطة يعملان على تثبيته أرضاً.
ظهر فاكر وهو يطلب المساعدة ويبدو أنه يجد صعوبة في التنفس، قبل أن تتوقف حركته، في مشهد أثار موجة غضب داخل إيطاليا، ودفع محتجين إلى الخروج مطالبين بـ«الحقيقة والعدالة».
المعطيات المتوفرة لا تسمح، من الناحية القانونية، بالجزم بالسبب المباشر للوفاة أو بإسناد مسؤولية جنائية نهائية إلى عناصر الشرطة أو أفراد الطاقم الطبي قبل صدور نتائج التشريح واستكمال التحقيق القضائي.
لذلك، يبقى الوصف الصحفي والقانوني الأدق هو أن عبد الرحيم فاكر توفي أثناء عملية توقيف وتثبيت نفذتها الشرطة الإيطالية، فيما يظل تحديد مدى تناسب القوة المستعملة، ووجود أخطاء مهنية أو مسؤوليات جنائية محتملة، من اختصاص النيابة العامة والقضاء الإيطالي.
فتحت النيابة العامة في بولونيا تحقيقاً لكشف ظروف الوفاة، بينما أعلنت الشرطة وضع تسجيلات الكاميرات المثبتة على زي العناصر الذين شاركوا في التدخل رهن إشارة المحققين.
لكن احترام قرينة البراءة وانتظار نتائج التحقيق لا يعنيان مطالبة المؤسسات المغربية بالصمت، ولا يحولان دون مساءلتها عن الإجراءات التي اتخذتها لحماية حقوق مواطن مغربي توفي في ظروف تستدعي تحقيقاً مستقلاً ودقيقاً وشفافاً.
السفارة المغربية في إيطاليا أعلنت، يوم 20 يوليوز 2026، أنها تتابع القضية منذ لحظاتها الأولى، وأكد السفير يوسف بلا أنه أصدر تعليماته إلى القنصلية العامة المختصة لتقديم الدعم المعنوي والمساعدة القنصلية الضرورية لأسرة عبد الرحيم فاكر.
كما كُلفت القنصلية، وفق التصريح نفسه، بالحفاظ على اتصال مستمر مع السلطات القضائية الإيطالية المشرفة على التحقيق، في إطار احترام الاتفاقيات الدولية والإجراءات المعمول بها داخل النظام القضائي الإيطالي.
هذا المعطى يفرض تثبيت حقيقة أساسية: لا يمكن القول إن السفارة والقنصلية ظلتا غائبتين، لأن تدخلهما أُعلن رسمياً. غير أن الإعلان الدبلوماسي يفتح، بدوره، أسئلة مشروعة حول طبيعة هذه المواكبة وحدودها ونتائجها العملية.
هل جرى التواصل المباشر مع الأسرة ومحاميها؟ هل ستتم مواكبة إجراءات التشريح والخبرة الطبية؟ هل ستُتابع تسجيلات الكاميرات وشهادات الحاضرين؟ وهل ستقدم للأسرة مساعدة قانونية إلى جانب الدعم المعنوي والقنصلي المعلن؟
هذه الأسئلة لا تتضمن اتهاماً للسفارة بالتقصير، لكنها تطالب بالانتقال من إعلان المتابعة إلى إطلاع الرأي العام، في الحدود التي يسمح بها التحقيق، على الإجراءات العملية المتخذة لضمان عدم ضياع حقوق الأسرة.
وفي المقابل، يظل الغياب العلني لمجلس الجالية المغربية بالخارج مثيراً للتساؤل.
فإلى حدود الساعات الأولى من يوم الثلاثاء 21 يوليوز 2026، لم يُنشر على الموقع الرسمي للمجلس أي بلاغ أو تعزية أو موقف بشأن وفاة عبد الرحيم فاكر، كما لم يظهر ضمن الأخبار والبلاغات الرسمية المتاحة ما يثبت تواصل المجلس مع الأسرة أو السفارة أو الجمعيات المغربية في إيطاليا.
هذا المعطى لا يسمح بالجزم بأن المجلس لم يجر أي اتصال غير معلن، لكنه يسمح صحفياً بالقول إن المؤسسة لم تعلن، حتى لحظة إعداد هذا المقال، عن أي تحرك أو مبادرة في القضية.
هنا يبرز التناقض بين خطورة الواقعة وبين الصمت المؤسساتي للمجلس.
مجلس الجالية ليس سفارة ولا قنصلية، ولا يملك صلاحية التحقيق الجنائي داخل إيطاليا، كما لا يستطيع إصدار أوامر إلى السلطات القضائية الإيطالية.
لكنه، بحسب الفصل 163 من الدستور، مؤسسة دستورية تتولى إبداء الرأي بشأن توجهات السياسات العمومية الرامية إلى ضمان حقوق المغاربة المقيمين بالخارج وصيانة مصالحهم.
كما تؤكد الوثائق المنشورة على الموقع الرسمي للمجلس أن من اختصاصاته إبداء الرأي بشأن الإجراءات الهادفة إلى ضمان حقوق المغاربة المقيمين بالخارج والمحافظة على مصالحهم، ولا سيما الموجودين منهم في وضعيات صعبة أو هشة.
عبد الرحيم فاكر توفي أثناء تدخل أمني مصور، وأسرته تطالب بالحقيقة، والنيابة العامة تحقق، والشرطة أعلنت وضع تسجيلات الكاميرات رهن إشارة التحقيق، والشارع الإيطالي خرج للاحتجاج، بينما انقسم السياسيون الإيطاليون بين المطالبة بالمحاسبة والدفاع عن عناصر الأمن.
أليست هذه، تحديداً، واحدة من الحالات التي يفترض أن يظهر فيها مجلس يحمل دستورياً مهمة صيانة مصالح مغاربة الخارج؟
لا يُطلب من المجلس أن يحل محل المحامي أو القاضي أو السفير، بل أن يمارس اختصاصه الاستشاري والتقييمي: التواصل مع الأسرة والتمثيلية الدبلوماسية، الاستماع إلى الجمعيات المغربية في إيطاليا، متابعة الضمانات المحيطة بالتحقيق، وإصدار موقف مؤسساتي يطالب بكشف الحقيقة مع احترام استقلال القضاء وقرينة البراءة.
كان بإمكان المجلس أيضاً أن يعلن استعداده لمواكبة الأسرة، أو أن يرفع توصيات إلى الحكومة بشأن الدعم القانوني والقنصلي الواجب تقديمه في حالات وفاة المغاربة أثناء تدخلات أمنية في دول الإقامة.
القضية تطرح سؤالاً يتجاوز حالة عبد الرحيم فاكر: هل تتوفر الدولة المغربية على بروتوكول واضح عندما يتوفى مواطن مغربي في الخارج في ظروف مرتبطة باستعمال القوة من طرف جهاز أمني؟
من يتولى توفير الدعم القانوني للأسرة؟ من يتابع التشريح والخبرات الطبية؟ من يتواصل مع ذوي الضحية؟ من ينسق بين السفارة والقنصلية والوزارة ومجلس الجالية والجمعيات؟ ومن يخبر المغاربة بالخطوات التي اتخذت فعلياً لحماية الحقوق وعدم ترك الأسرة وحدها في مواجهة مسطرة قضائية أجنبية؟
هذه ليست دعوة إلى التدخل في القضاء الإيطالي أو ممارسة ضغط سياسي على التحقيق، بل مطالبة باستعمال الوسائل القانونية والدبلوماسية والمؤسساتية المتاحة لضمان الشفافية وعدم ضياع حقوق الأسرة.
السفارة والقنصلية أعلنتا تحركهما ومتابعتهما للقضية، وهو معطى يجب تثبيته بإنصاف.
أما مجلس الجالية، فلم يعلن حتى الآن عن موقف أو مبادرة، رغم أن الواقعة تقع في صميم النقاش حول حقوق مغاربة الخارج وصيانة مصالحهم.
صفة المجلس الاستشارية لا تعني الغياب، كما أن عدم امتلاكه سلطة تنفيذية لا يمنعه من التواصل وإبداء الرأي وإصدار التوصيات وتقييم السياسات العمومية الموجهة إلى الجالية.
الدفاع عن مصالح مغاربة الخارج لا ينبغي أن يقتصر على المؤتمرات والمعارض والدراسات وملفات الاستثمار والكفاءات، ثم يغيب عندما يتوفى مغربي أثناء تدخل أمني وتطالب أسرته بالحقيقة والعدالة.
وبينما أعلنت السفارة تدخلها، يظل السؤال موجهاً إلى مجلس الجالية:
ماذا فعل المجلس في قضية عبد الرحيم فاكر، ولماذا لم يعلن حتى الآن عن أي موقف لحماية مصالح مغربي توفي أثناء تدخل أمني للشرطة الإيطالية؟
