بقلم: الباز عبدالإله
دخلت الاستعدادات للانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026 مرحلة أكثر حساسية، بعد تفعيل لجنة مركزية لتتبع الانتخابات، وربطها بمنظومة جهوية وإقليمية تجمع الإدارة الترابية بممثلي النيابة العامة، لمراقبة مختلف مراحل العملية الانتخابية والتدخل عند رصد ما قد يمس بسلامتها أو بحرية اختيار الناخبين.
وأعلنت وزارة الداخلية، اليوم الاثنين 20 يوليوز 2026، أن تفعيل اللجنة المركزية جرى تنفيذاً لأمر ملكي موجه إلى وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة بشأن السهر على سلامة وصدق الانتخابات التشريعية الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب.
ولا تتوقف دلالة الخطوة عند عقد اجتماع داخل مقر الوزارة، بل تمتد إلى إقامة شبكة تتبع تغطي جهات المملكة وعمالاتها وأقاليمها، وتضع المخالفات الانتخابية المحتملة عند نقطة التقاء بين الرصد الإداري وإمكانية تحريك البحث أو المتابعة القضائية.
وتتألف اللجنة المركزية من وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، فيما تضم اللجان الإقليمية، على مستوى العمالات والأقاليم وعمالات المقاطعات، الوالي أو العامل إلى جانب الوكيل العام للملك أو وكيل الملك.
كما جرى تفعيل لجان جهوية تتولى مواكبة أعمال اللجان الإقليمية وتنسيق عمليات التتبع على صعيد كل جهة.
وبذلك، تنتقل مراقبة الاستحقاق من آلية مركزية محدودة إلى منظومة ذات امتداد ترابي، يفترض أن تتيح وصول المعطيات المتعلقة بالخروقات من المستوى المحلي إلى الجهات المختصة بالبحث واتخاذ الإجراءات القانونية.
وحددت وزارة الداخلية المهمة الأساسية لهذه اللجان في اتخاذ التدابير العملية الكفيلة بصيانة سلامة وصدق العمليات الانتخابية، وتتبع جميع مراحلها، والتصدي في حينه لكل ما قد يمس بها، ابتداء من المرحلة الحالية وصولاً إلى يوم الاقتراع والإعلان عن النتائج.
هذا الامتداد الزمني يعني أن التتبع لن ينحصر في ما يقع داخل مكاتب التصويت يوم 23 شتنبر، بل سيشمل مختلف المراحل السابقة للاقتراع، من تدبير الترشيحات والحملة الانتخابية إلى الممارسات التي قد تؤثر في تكافؤ الفرص أو في حرية إرادة الناخبات والناخبين.
وتنطلق الحملة الانتخابية رسمياً في الساعة الأولى من يوم الخميس 10 شتنبر، لتنتهي عند منتصف ليلة الثلاثاء 22 شتنبر 2026، أي قبل ساعات من فتح مكاتب التصويت.
البلاغ الرسمي استعمل لغة واضحة بشأن التعامل مع المخالفات، مؤكداً أن اللجان ستعمل على تفعيل الإجراءات الكفيلة بضبطها بكيفية فورية، كلما توفرت المعطيات اللازمة، مع تحريك مسطرة البحث أو المتابعة القضائية عند الاقتضاء.
ولا تعني هذه الصيغة أن كل ادعاء أو شكاية سيتحول تلقائياً إلى متابعة، لكنها تضع آلية مؤسساتية تسمح بالانتقال من رصد المعطيات إلى البحث وترتيب الآثار القانونية متى توافرت العناصر الضرورية لذلك.
وتمنح مشاركة رئاسة النيابة العامة والوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك لهذه الآلية بعداً يتجاوز إعداد التقارير الإدارية أو تسجيل الملاحظات حول سير الانتخابات؛ إذ تصبح المخالفة المحتملة قابلة للإحالة على البحث القضائي من داخل منظومة التتبع نفسها.
غير أن البلاغ وضع، في المقابل، حدوداً قانونية واضحة لعمل اللجان، مشدداً على أنها ستباشر مهامها في تقيد تام بالقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، ومن دون المساس بالاختصاصات والصلاحيات المخولة للأجهزة التشريعية والقضائية والإدارية.
وبموازاة منطق المراقبة وضبط المخالفات، أعلنت وزارة الداخلية اعتماد مقاربة تشاركية مع الأحزاب السياسية، إذ ستعقد اللجنة المركزية لقاءات مع قادتها كلما دعت الضرورة، لإطلاعهم على سير الترتيبات والاستماع إلى مقترحاتهم ومناقشة القضايا التي قد تثار خلال الاستعداد للانتخابات.
وسبق لوزير الداخلية أن عقد يوم 14 يوليوز اجتماعين مع قادة ومسؤولي الأحزاب السياسية، خُصصا لاستعراض حصيلة مراجعة اللوائح الانتخابية، والمسطرة الجديدة لإيداع التصريحات بالترشيح عبر منصة إلكترونية، والمقتضيات المتعلقة بمساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية.
ويضع هذا الترتيب الانتخابات المقبلة تحت مراقبة مؤسساتية مبكرة تجمع الإدارة الترابية بالنيابة العامة، لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد اللجان والاجتماعات، بل في قدرتها على التعامل بالسرعة والصرامة نفسيهما مع جميع المخالفات، بصرف النظر عن مرتكبيها أو مواقعهم السياسية والانتخابية.
فنزاهة الانتخابات لا تبدأ صباح الاقتراع ولا تنتهي بإغلاق الصناديق.
إنها تبدأ من حماية إرادة الناخبين، وضمان تكافؤ الفرص، ومنع توظيف المال أو النفوذ أو وسائل الدولة للتأثير في المنافسة، وتنتهي بإعلان نتائج تعكس الاختيار الحر للمواطنين.
قبل فتح صناديق 23 شتنبر، أعلنت الدولة وضع آليات الرصد والتنسيق وتحريك المتابعات.
ويبقى الرهان أن تتحول هذه الهندسة المؤسساتية من لجان واجتماعات وبلاغات إلى ضمانات ملموسة، وأن تكون الحراسة على نزاهة الاقتراع واحدة في مواجهة الجميع، لا تتغير باختلاف الأسماء والمواقع والنفوذ.
