بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد تمويلات البنك الأوروبي للاستثمار الموجهة إلى المغرب تُناقش حصراً من زاوية التنمية والبنية التحتية.
فسؤال برلماني جديد فتح نقاشاً سياسياً أكثر حساسية، بعدما وضع استمرار التمويلات الأوروبية إلى جانب مدى تعاون الرباط في إعادة أشخاص موجودين داخل التراب الأوروبي، وتعتبرهم السلطات المعنية غير مستوفين لشروط الإقامة.
الوثيقة منشورة على الموقع الرسمي للبرلمان الأوروبي تحت المرجع P-002749/2026، في نسختها المحينة rev.1، وتحمل عنوان: «تمويل البنك الأوروبي للاستثمار للبنية التحتية في المغرب وغياب التعاون بشأن الإعادة».
وقد تقدمت بها النائبة الهولندية ماريكه إيلرس، عن حزب الحرية وعضوة مكتب مجموعة «وطنيون من أجل أوروبا»، بتاريخ 2 يوليوز 2026، مطالبة المفوضية الأوروبية بجواب ذي أولوية.
ولا يتعلق الأمر بقرار ملزم صادر عن البرلمان الأوروبي، ولا بتقرير أعدته المفوضية أو البنك الأوروبي للاستثمار، بل بسؤال فردي يعكس موقف صاحبته.
غير أن أهميته السياسية تكمن في المعادلة التي يضعها قيد النقاش: هل ينبغي أن يستمر تمويل مشاريع البنية التحتية في المغرب بمعزل عن مستوى تعاونه مع الدول الأوروبية في عمليات الإعادة؟
بهذا الربط، تنتقل مناقشة التمويلات من تقييم الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للمشاريع إلى البحث في إمكانية استخدام المال الأوروبي أداةً للضغط السياسي في ملف الهجرة.
فتمويل الطرق والسكك الحديدية والماء وإعادة الإعمار لا يستهدف أجهزة الهجرة أو مراقبة الحدود بصورة مباشرة.
ومع ذلك، يضع السؤال العلاقة المالية بين المغرب والمؤسسات الأوروبية في مواجهة ملف مختلف قانونياً وسياسياً، يتعلق بإعادة أشخاص من أوروبا إلى بلدانهم الأصلية.
وجاءت المبادرة البرلمانية بعد يومين من إعلان البنك الأوروبي للاستثمار عن تمويلات بقيمة 365 مليون يورو لفائدة قطاع النقل في المغرب، بهدف تعزيز سلامة وصمود شبكة الطرق السيارة والمنظومة السككية.
وتشمل العملية منحة أوروبية بقيمة 15 مليون يورو موجهة إلى تدابير مرتبطة بمواجهة المخاطر المناخية داخل القطاع السككي، إلى جانب تمويلات مخصصة لتحسين البنيات التحتية للنقل والرفع من قدرتها على الصمود.
وقبل ذلك، عبأ البنك شطراً ثانياً بقيمة 500 مليون يورو لدعم إعادة إعمار مناطق الأطلس الكبير المتضررة من زلزال 8 شتنبر 2023، لترتفع مساهمته الإجمالية في البرنامج إلى مليار يورو.
وتستهدف هذه التمويلات إعادة تأهيل الطرق والمؤسسات التعليمية والمرافق الصحية وفق معايير مرتبطة بمقاومة الزلازل والنجاعة الطاقية.
غير أن هذه الموارد لا تقدم كلها في شكل هبات مجانية، فالقسم الأكبر من تدخلات البنك الأوروبي للاستثمار يتخذ صورة قروض وتمويلات طويلة الأمد مخصصة لمشاريع محددة، وقد تستفيد بعض العمليات من ضمانات أو منح أوروبية موازية.
لذلك، فإن تقديم هذه الموارد باعتبارها مجرد «مساعدات» يمكن وقفها بقرار سياسي لا يعكس بدقة طبيعة العلاقة المالية. فالمغرب يقترض لإنجاز مشاريع متفق عليها، وتظل العمليات خاضعة لعقود والتزامات مالية ومؤسساتية بين الأطراف المعنية.
وخلال سنة 2025، وقّع البنك الأوروبي للاستثمار اتفاقيات تمويل بقيمة 740 مليون يورو في المغرب، وهو أعلى مستوى مسجل منذ سنة 2012.
وتوزعت هذه التمويلات على الماء والطاقة وإعادة إعمار البنيات الأساسية المتضررة من الزلزال.
كما أعلن البنك، في يونيو 2026، أن مجموع ما عبأه لفائدة مشاريع بالمغرب منذ بداية الشراكة سنة 1979 تجاوز 12 مليار يورو، موزعة على النقل والماء والتطهير والطاقة والتعليم والصحة ودعم المقاولات.
وسط هذا الحضور المالي المتزايد، تسعى النائبة اليمينية إلى إدخال ملف إعادة المهاجرين إلى قلب النقاش بشأن تمويل البنية التحتية، عبر مطالبة المفوضية بتفسير استمرار التمويلات في الوقت الذي تتحدث فيه عن ضعف التعاون المغربي في تنفيذ عمليات الإعادة.
ولا تثبت الوثيقة أن المفوضية الأوروبية قررت فرض شروط جديدة على المغرب، كما لا تعني أن البنك الأوروبي للاستثمار أصبح يربط الموافقة على القروض بعدد الأشخاص الذين تقبل الرباط إعادتهم.
لكن السؤال يكشف وجود توجه داخل جزء من اليمين الأوروبي يدفع نحو إخضاع التعاون المالي والتنموي لمعايير مرتبطة بالهجرة والحدود وإعادة القبول.
وإذا تحول هذا التوجه مستقبلاً من موقف برلماني فردي إلى سياسة تنفيذية، فقد يصبح تقييم بعض المشاريع الممولة أوروبياً مرتبطاً بمعايير تتجاوز الجدوى الاقتصادية والاستدامة المالية، لتشمل مدى استجابة الدولة المستفيدة للمطالب الأوروبية المتعلقة بالهجرة.
غير أن الحديث عن «غياب التعاون» يحتاج إلى معطيات دقيقة تتجاوز الموقف السياسي العام.
فإعادة أي شخص من دولة أوروبية إلى المغرب تقتضي التحقق من هويته وجنسيته، وإثبات ارتباطه بالمغرب، وإصدار وثائق السفر اللازمة، واحترام المساطر القضائية والإدارية، وفحص ما إذا كان المعني بالأمر قد تقدم بطلب لجوء أو طعن في قرار إبعاده.
كما لا يمكن اعتبار كل شخص تنسب إليه الجنسية المغربية قابلاً للإعادة بصورة تلقائية، خصوصاً عند غياب وثائق الهوية أو وجود خلاف بشأن الجنسية أو صدور طعن قضائي في القرار.
وتتطلب الدقة أيضاً التمييز بين العودة الطوعية، وإعادة مواطنين ثبتت جنسيتهم، والترحيل القسري، وبين مطالب قد تتعلق بأشخاص من جنسيات أخرى عبروا الأراضي المغربية.
وهي حالات مختلفة قانونياً ولا يجوز جمعها تحت مفهوم واحد.
ويتحمل المغرب، في المقابل، أعباء مرتبطة بمراقبة الحدود ومحاربة شبكات تهريب البشر واستقبال مهاجرين قادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، بعدما تحول تدريجياً من بلد مصدر وعبور إلى فضاء للاستقرار أيضاً، بما يرافق ذلك من تكاليف أمنية واجتماعية وإنسانية.
وتبرز هنا مفارقة سياسية واضحة: أوروبا تطالب دول الجوار بمزيد من التعاون في ضبط الحدود وتنفيذ قرارات الإعادة، بينما يدفع جزء من يمينها نحو استخدام تمويلات التنمية والبنية التحتية وسيلةً للضغط.
غير أن تقليص الاستثمار في الطرق والماء والتعليم والصحة قد يقود إلى نتائج معاكسة، لأن الهشاشة الاقتصادية وضعف فرص الشغل واتساع الفوارق تعد من العوامل التي تغذي دوافع الهجرة، بينما يفترض أن تسهم مشاريع التنمية في الحد منها.
إلى حدود المعطيات الرسمية المتاحة، تظل الوثيقة سؤالاً برلمانياً صادراً عن نائبة واحدة، ولا تمثل موقف البرلمان الأوروبي ولا قراراً للمفوضية أو للبنك الأوروبي للاستثمار.
لكنها تقدم مؤشراً سياسياً لا ينبغي تجاهله، لأن النقاش لم يعد مرتبطاً فقط بحجم التمويلات التي يحصل عليها المغرب، بل بالشروط السياسية التي قد يحاول بعض الفاعلين الأوروبيين إلحاقها بها.
والسؤال الذي تفتحه الوثيقة يتجاوز ملفاً إدارياً متعلقاً بإعادة المهاجرين: هل ستظل تمويلات البنية التحتية جزءاً من شراكة قائمة على المصالح المتبادلة، أم يحاول جزء من اليمين الأوروبي تحويل الطرق والقطارات والمدارس إلى أوراق ضغط في ملف الهجرة؟
