بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد قوة الفوسفاط وحدها كافية لقراءة الاقتصاد المغربي في لحظة دولية مضطربة، لكنها تظل واحدة من الأوراق التي تمنح المملكة هامشاً مهماً وسط عاصفة تضرب الطاقة والأسمدة والتجارة الدولية.
تقرير البنك الدولي حول الآفاق الاقتصادية العالمية، الصادر في يونيو 2026، يضع المغرب أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، توجد سوق دولية للأسمدة تحت ضغط واضح بفعل اضطرابات الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل والشحن. ومن جهة أخرى، تكشف توقعات النمو أن الاقتصاد المغربي، رغم امتلاكه قطاعاً تصديرياً استراتيجياً، لا يزال معرضاً لتقلبات الخارج.
حسب معطيات البنك الدولي، يتوقع أن يحقق الاقتصاد المغربي نمواً بنسبة 4.7 في المائة سنة 2025، قبل أن يتراجع إلى 4.2 في المائة سنة 2026، ثم إلى 4.0 في المائة سنة 2027. والأهم أن هذه الأرقام جاءت بعد مراجعة نحو الأسفل مقارنة بتوقعات يناير 2026، بناقص 0.2 نقطة بالنسبة إلى سنة 2026، وناقص 0.4 نقطة بالنسبة إلى سنة 2027.
هذه المراجعة لا تعني أن الاقتصاد المغربي دخل منطقة الخطر، لكنها تقول بوضوح إن الانتعاش ليس محصناً. فالعالم يتحرك وسط كلفة طاقة مرتفعة، واضطراب في سلاسل الإمداد، وضغط متزايد على الدول المستوردة للطاقة. والمغرب، رغم موقعه القوي في سوق الفوسفاط والأسمدة، يبقى اقتصاداً مرتبطاً بالخارج عبر الطاقة، والسياحة، والتحويلات، والصادرات، وكلفة الواردات.
تقرير البنك الدولي يشير إلى أن ارتفاع أسعار الأسمدة قد يوفر للمغرب تعويضاً جزئياً عبر دعم عائدات التصدير، لكنه يوضح في الوقت نفسه أن هذا الأثر يبقى محدوداً بفعل ارتفاع كلفة المدخلات والقدرات الإنتاجية وكلفة الواردات، خاصة النفط والطاقة.
بهذا المعنى، يظهر الفوسفاط كعامل توازن لا كحل سحري. صحيح أن أسعار الأسمدة المرتفعة قد تمنح الصادرات المغربية دفعة إضافية، وقد تساعد على تخفيف جزء من الضغط على الحسابات الخارجية، لكنها لا تعوض تلقائياً تحديات التشغيل، ولا كلفة المعيشة، ولا إشكالات الإنتاجية، ولا الفوارق المجالية.
المغرب يوجد إذن بين قوتين متعاكستين. قوة أولى تمنحه امتيازاً نسبياً بفضل موقعه في سوق الأسمدة، وقوة ثانية تضغط عليه بسبب اعتماده على واردات الطاقة وحساسية اقتصاده تجاه التحولات العالمية.
السؤال الاقتصادي الأهم لا يتعلق فقط بما إذا كان المغرب سيستفيد من ارتفاع أسعار الأسمدة، بل بما إذا كان قادراً على تحويل هذا الامتياز القطاعي إلى رافعة أوسع للنمو والتشغيل والتوازنات المالية. فالعائدات المرتفعة من قطاع استراتيجي قد تخفف الضغط على الميزان التجاري، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة نمو يشعر به المواطن في الدخل وفرص العمل والخدمات.
يدخل المغرب هذه المرحلة وهو يملك نقاط قوة واضحة: قطاع فوسفاطي متقدم، قاعدة صناعية تتطور، سياحة استعادت جزءاً كبيراً من حيويتها، وموقع جغرافي يمنحه مكانة في سلاسل التجارة والاستثمار. لكنه يدخلها أيضاً بإكراهات لا يمكن تجاهلها: كلفة الطاقة، الجفاف، ضغط سوق الشغل، تفاوتات المجال، وحاجة الاقتصاد إلى معدل نمو أعلى وأكثر انتظاماً.
لذلك لا يقدم تقرير البنك الدولي خبراً مريحاً بالكامل، ولا إنذاراً قاتماً. إنه يرسم صورة أكثر تعقيداً: المغرب ليس ضعيفاً أمام العاصفة، لكنه ليس خارجها. يملك هامشاً مهماً بفضل الأسمدة، لكنه يحتاج إلى أكثر من هذا الهامش. يحتاج إلى اقتصاد قادر على تحويل الظرفية الدولية إلى فرصة، لا إلى مجرد تعويض مؤقت عن خسائر قادمة من الخارج.
الرهان الحقيقي لم يعد في إعلان نسبة نمو مقبولة، بل في نوعية هذا النمو، وفي قدرته على خلق الشغل، وتقوية الطبقة المتوسطة، وتخفيف الضغط عن الأسر، وتمويل الإصلاحات الاجتماعية دون إثقال المالية العمومية.
الفوسفاط يمنح المغرب ورقة قوة. هذه حقيقة اقتصادية. لكن أرقام البنك الدولي تذكر بأن الورقة لا تتحول إلى قوة كاملة إلا إذا أحسن البلد استعمالها. أما إذا ظل النمو مرتبطاً بتقلبات الخارج، وبأسعار المواد الأولية، وبمواسم فلاحية متقلبة، فإن كل انتعاش سيبقى هشاً، وكل فرصة ستظل مؤقتة.
الدرس الأعمق أن المغرب لا يحتاج إلى الاطمئنان المفرط بسبب الفوسفاط، ولا إلى القلق المبالغ فيه بسبب تباطؤ النمو. يحتاج إلى قراءة باردة تقول إن الامتيازات الطبيعية والصناعية مهمة، لكنها لا تعوض الإصلاحات البنيوية. فالدول لا تبني قوتها فقط بما تملكه تحت الأرض، بل بما تفعله فوقها.
