أعاد الباحث والكاتب إدريس الكنبوري فتح واحد من أكثر الأسئلة حساسية في التجربة السياسية المغربية، حين ربط تعثر المسار الديمقراطي، في جانب كبير منه، بأزمة الأحزاب السياسية، معتبراً أن الإشكال لا يكمن فقط في بنية الدولة، بل أيضاً في تنظيمات حزبية فقدت القدرة على المبادرة، وتحولت من أدوات للتأطير والاقتراح إلى كيانات تلتحق بالشارع بعد أن يتحرك.
وفي تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، قدّم الكنبوري قراءة نقدية لمسار حزبين شكّلا، في نظره، لحظتين أساسيتين في التاريخ السياسي المغربي المعاصر: الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب العدالة والتنمية.
فالأول ارتبط، منذ سبعينيات القرن الماضي، بخطاب الانتقال الديمقراطي، خصوصاً بعد المؤتمر الاستثنائي لسنة 1975، غير أنه، بحسب الكنبوري، وصل إلى تجربة التناوب التوافقي سنة 1998 بعدما كان قد فقد جزءاً كبيراً من زخمه السياسي والرمزي.
ويرى الكنبوري أن الفترة الممتدة بين 1975 و1998 لم تكن مجرد مرحلة انتظار سياسي، بل كانت، وفق توصيفه، مرحلة “ترويض” طويلة للحزب، انتهت إلى تحويله إلى “محارة فارغة” لحظة دخوله الحكومة.
ومعنى ذلك أن الحزب الذي حمل شعار الانتقال الديمقراطي لم يصل إلى السلطة بالقوة السياسية نفسها التي صنعته في المعارضة، بل وصل إليها بعدما جرى استنزاف جزء مهم من طاقته الاحتجاجية وقدرته على الضغط.
وبحسب القراءة نفسها، تكرر الأمر مع حزب العدالة والتنمية بعد انتخابات 2011 وتوليه قيادة الحكومة سنة 2012، في أعقاب سياق الربيع العربي وحركة 20 فبراير.
غير أن الفارق، كما يوضح الكنبوري، يتمثل في أن الاتحاد الاشتراكي وصل إلى الحكومة في سياق التناوب التوافقي، بينما وصل العدالة والتنمية محمولاً على موجة الشارع والضغط الشعبي.
ومن هذا المنطلق، يعتبر الكنبوري أن الفرصة التي أتيحت لحزب العدالة والتنمية كانت أكبر من تلك التي توفرت للاتحاد الاشتراكي، غير أنه لم يتمكن من استثمارها بالشكل المطلوب، وسط صراع سياسي وحزبي انتهى إلى محاصرته وإضعاف قدرته على قيادة تحول ديمقراطي فعلي.
ومن خلال هذه المقارنة، لا يقدم الكنبوري مجرد قراءة حزبية ضيقة، بل يرسم ملامح أزمة أعمق في الوساطة السياسية بالمغرب. فالحزبان اللذان كانا، في نظره، قادرين على دفع المسار الديمقراطي إلى الأمام، انتهى أحدهما إلى الأفول السياسي، بينما لا يزال الثاني يحاول مقاومة آثار تجربته الحكومية وما ترتب عنها من إنهاك انتخابي وتنظيمي.
الأخطر في هذه القراءة أن الكنبوري لا يحصر الأزمة في سقوط حزب أو تراجع آخر، بل يربطها ببنية حزبية كاملة يرى أن الدولة أغرقت بها المشهد السياسي منذ سبعينيات القرن الماضي.
فهذه الأحزاب، بدل أن تكون قاطرة للديمقراطية، تحولت، بحسب تحليله، إلى كوابح لها، لأنها لا تتحرك لفتح المجال السياسي، بل تسهم أحياناً في عرقلة أي مسار قد يخرج من منطق التحكم التقليدي.
ومن هنا ينتقل الكنبوري إلى فكرة مركزية في تدوينته، مفادها أن الشارع أصبح المحرك الحقيقي للسياسة في المغرب. فحركة 20 فبراير، في رأيه، كشفت أن الضغط الشعبي قادر على إنتاج مكاسب سياسية ودستورية لم تكن الأحزاب قادرة على فرضها بمفردها.
ويتكرر الأمر نفسه، بدرجات مختلفة، مع التعبيرات الشبابية الجديدة، ومنها ما يسميه “شباب زد”، حيث تبدو الأحزاب السياسية، وفق هذا التصور، في موقع المتفاعل مع الشارع لا في موقع المبادر إليه، فيما تتفاعل الدولة مع مطالب يولدها المجتمع قبل أن تجد طريقها إلى البرامج الحزبية.
هذه الخلاصة تعني، في عمقها، أن المغرب دخل مرحلة “ما بعد الحزب السياسي”، حيث لم تعد الأحزاب تصنع البرنامج السياسي أو تقود النقاش العام كما كان منتظراً منها، بل صار الشارع هو من يفرض الإيقاع، ثم تأتي التنظيمات السياسية لاحقاً لمحاولة التموضع حوله.
وهي لحظة تكشف، حسب هذا التصور، محدودية الإصلاح من الداخل، بعدما عجزت المؤسسات الحزبية عن تمثيل التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع.
كما يطرح الكنبوري مسألة أخرى لا تقل حساسية، تتعلق بمحاولة احتواء الشارع نفسه بعد إضعاف الأحزاب. فكما بُذلت جهود طويلة لتدجين التنظيمات السياسية، يرى أن هناك اليوم محاولة لتدجين المجتمع عبر الفن والغناء وكرة القدم والتعليم ونشر التفاهة، مع إضعاف الوسطاء الثقافيين القادرين على إنتاج الوعي وتأطير النقاش العمومي.
غير أن هذه المقاربة تحمل، كما يفهم من تدوينته، تحذيراً واضحاً: المجتمع المتعلم والواعي، مهما بدا مزعجاً حين يطالب ويحتج، يبقى أقل خطراً من مجتمع جاهل حين ينفجر غضبه.
فالأول يطالب بالسياسة والحقوق والتمثيل، أما الثاني فقد يتحرك خارج كل وساطة وخارج كل قدرة على الضبط.
وتضع تدوينة الكنبوري، بهذا المعنى، الأحزاب المغربية أمام مرآة قاسية. فهي لا تتهم الشارع بالفوضى، بل تسأل لماذا تُرك الشارع وحيداً ليصنع السياسة.
ولا تكتفي بانتقاد الدولة، بل تحمل الأحزاب مسؤولية تاريخية في إفراغ الديمقراطية من مضمونها، حين قبلت أن تتحول من قوة اقتراح وتأطير إلى جهاز انتخابي ينتظر لحظة الغضب الشعبي كي يتحرك.
وفي المحصلة، تبدو الرسالة الأساسية أن الديمقراطية لا تتعثر فقط حين يضيق المجال السياسي، بل تتعثر أيضاً حين تفقد الأحزاب شجاعتها، وحين يصبح الشارع أكثر تقدماً من التنظيمات التي يفترض أنها تمثله.
هنا بالضبط تتضح أزمة السياسة في المغرب: مجتمع يتحرك، وأحزاب تتأخر، ودولة تتفاعل تحت الضغط، بينما يبقى سؤال الانتقال الديمقراطي معلقاً منذ سبعينيات القرن الماضي إلى اليوم.
المصدر: تدوينة للباحث إدريس الكنبوري على صفحته بموقع فيسبوك، وفق النص المتداول.
