وثيقة USTR تضع CNDP والجمارك وONSSA في واجهة ملاحظات واشنطن حول الحواجز التجارية بالمغرب
لا تكتفي وثيقة أمريكية رسمية جديدة بقراءة أرقام المبادلات التجارية بين الرباط وواشنطن، بل تذهب إلى ما هو أعمق: كيف تنظر الإدارة الأمريكية إلى بعض القواعد والإجراءات المغربية حين تتحول، من وجهة نظرها، من تنظيم داخلي مشروع إلى حواجز أمام الشركات الأمريكية.
الوثيقة صادرة عن مكتب الممثل التجاري الأمريكي، ضمن تقريره السنوي حول الحواجز التجارية الخارجية لسنة 2026، وهو تقرير يرصد ما تعتبره واشنطن عراقيل تواجه صادراتها واستثماراتها وتجارتها الإلكترونية في عدد من الأسواق العالمية.
في الباب الخاص بالمغرب، يكشف التقرير أن المبادلات التجارية في السلع بين المغرب والولايات المتحدة بلغت حوالي 7.4 مليارات دولار سنة 2025، منها 5.5 مليارات دولار صادرات أمريكية نحو المغرب، مقابل 1.9 مليار دولار واردات أمريكية من المغرب. كما سجلت واشنطن فائضاً تجارياً في السلع مع الرباط بلغ 3.7 مليارات دولار.
غير أن أهمية الوثيقة لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في نوعية الملاحظات التي توجهها إلى مساطر مغربية بعينها. فالتقرير يعود إلى اتفاقية التبادل الحر بين البلدين، التي دخلت حيز التنفيذ في فاتح يناير 2006، ويذكر بأن المغرب ألغى فوراً الرسوم على 95 في المائة من السلع الصناعية والاستهلاكية، قبل استكمال تخفيضات أخرى خلال السنوات اللاحقة.
ورغم هذا الإطار التجاري المنفتح، تسجل واشنطن استمرار عدد من الإكراهات التنظيمية والإجرائية.
أولى هذه النقاط ترتبط بقطاع السيارات. فالوثيقة تعتبر أن اعتماد المغرب عملياً على معايير مرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا لسنة 1958 يجعل ولوج عدد من السيارات المصنعة وفق المعايير الأمريكية أكثر تعقيداً. ورغم أن المغرب سمح منذ 2016 باستيراد سيارات تستجيب للمعايير الفدرالية الأمريكية للسلامة، فإن الشركات الأمريكية، حسب التقرير، ما تزال تشتكي من غياب مسطرة جمركية واضحة لتسوية هذا المسار.
النقطة الثانية تهم المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية. التقرير يسجل أن ONSSA فرض منذ أكتوبر 2022 شرطاً صحياً على الأعلاف ذات الأصل غير الحيواني، يقضي بأن تكون قادمة من مناطق خالية من إنفلونزا الطيور شديدة الضراوة، أو أن تخضع لفترة عزل.
وتعتبر واشنطن أن المغرب لم يخطر منظمة التجارة العالمية بهذا الشرط، وأنه لم يقدم، إلى غاية نهاية 2025، تقييماً كافياً للمخاطر يبرر استمرار هذا الإجراء.
أما النقطة الأكثر حساسية فتتعلق بالمجال الرقمي وحماية المعطيات الشخصية. فالوثيقة تعتبر أن القانون المغربي رقم 09-08 يفرض قيوداً على نقل المعطيات عبر الحدود، وتقول إن هذه القيود تخلق كلفة وتأخيرات للشركات الأمريكية، خصوصاً أن اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي لم تعترف بالولايات المتحدة كبلد يوفر مستوى كافياً من الحماية.
وبحسب القراءة الأمريكية، لا تستطيع الشركات نقل المعطيات إلا في شروط محدودة، من بينها الحصول على ترخيص كتابي مسبق من CNDP لكل عملية نقل دولية، أو تقديم موافقات صريحة من الأشخاص المعنيين، أو توقيع عقود صارمة.
هنا يبرز السؤال الحقيقي: هل يتعلق الأمر بحماية مشروعة للسيادة الرقمية وحقوق الأفراد، أم بإجراءات إدارية تجعل المغرب أقل مرونة في سوق عالمية تتحرك بسرعة البيانات والخدمات الرقمية؟
الوثيقة لا تقف عند هذا الحد. فهي تشير أيضاً إلى تحديات مرتبطة بحماية الملكية الفكرية، خصوصاً القرصنة الرقمية وتداول المنتجات المقلدة، كما تتحدث عن ملاحظات في قطاع التأمين، وعن صعوبات إدارية وبيروقراطية يشتكي منها فاعلون أمريكيون عند التعامل مع بعض الجهات العمومية، إضافة إلى عراقيل مرتبطة بإجراءات تسجيل العقار.
سياسياً، لا يمكن قراءة هذا التقرير خارج السياق الأوسع للعلاقات الاقتصادية المغربية الأمريكية. فالمغرب يقدم نفسه منذ سنوات كمنصة صناعية واستثمارية، وكجسر نحو إفريقيا وأوروبا، وكسوق مستقرة داخل منطقة مضطربة.
غير أن الوثائق الدولية، حين تنزل إلى التفاصيل التقنية، تكشف أن جاذبية الاستثمار لا تصنعها الاتفاقيات الكبرى وحدها، بل تصنعها أيضاً سرعة الإدارة، ووضوح المساطر، واستقرار التأويل القانوني.
الأهم أن التقرير لا يجب أن يقرأ كإدانة للمغرب أو كحكم نهائي على مناخ الأعمال فيه. هو وثيقة أمريكية تنظر إلى السوق المغربية من زاوية مصالح الشركات الأمريكية. وهذا يعني أن جزءاً من ملاحظاتها قد يعكس ضغطاً تجارياً مشروعاً من واشنطن، كما قد يكشف في المقابل نقاط ضعف حقيقية في المساطر المغربية تحتاج إلى توضيح وإصلاح.
القضية ليست أن يتنازل المغرب عن حقه في حماية معطيات مواطنيه، أو في فرض شروط صحية على المنتجات المستوردة، أو في تنظيم سوق السيارات والملكية الفكرية. القضية هي كيف يمكن أن يمارس هذا الحق التنظيمي دون أن يتحول إلى غموض إداري، ودون أن يخلق لدى المستثمرين انطباعاً بأن القرار الاقتصادي يمر عبر مسارات طويلة وصعبة التوقع.
قبل 2030، لن تكون المنافسة فقط على الملاعب والمشاريع الكبرى والصورة الدولية، بل أيضاً على جودة الإدارة، وشفافية القواعد، وسرعة الترخيص، ووضوح العلاقة بين حماية السيادة الاقتصادية وجلب الاستثمار.
تقرير USTR لا يضع المغرب في خانة الاتهام، لكنه يذكّر بأن الجاذبية الاستثمارية لم تعد تُقاس فقط بالاتفاقيات الكبرى والمشاريع الضخمة، بل أيضاً بسرعة الإدارة، ووضوح المساطر، وقدرة المؤسسات على تحويل الطموح الاقتصادي إلى بيئة أعمال قابلة للتوقع.
