بقلم: الباز عبدالإله
وضعت معطيات جديدة الفرضيات المائية التي بُنيت عليها السياسة الفلاحية المغربية أمام اختبار صعب، بعدما أفاد خبيران بأن مخططي «المغرب الأخضر» و«الجيل الأخضر» صُمما على أساس توفر سنوي يقارب 17 مليار متر مكعب من المياه، بينما لم تتجاوز الموارد التي أمكن تعبئتها خلال بعض سنوات الجفاف ما بين 7 و8 مليارات متر مكعب.
ووردت الأرقام في تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية، يوم السبت 25 يوليوز 2026، حول موجات الحر المتكررة وتزايد المخاوف المرتبطة بالإجهاد المائي في المغرب، بعد تسجيل أربع موجات حر خلال ثلاثة أشهر، واقتراب درجات الحرارة من 50 درجة في بعض المناطق.
ونقلت الصحيفة عن محمد سعيد قروق، الباحث في المناخ والأستاذ السابق بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن مخطط «المغرب الأخضر»، الذي انطلق سنة 2008، ثم استراتيجية «الجيل الأخضر» الممتدة بين 2020 و2030، صُمما على أساس فرضية توفر نحو 17 مليار متر مكعب من المياه سنوياً.
وأوضح قروق أن هذه الفرضية تعود إلى فترة مناخية اتسمت بتساقطات استثنائية، بينما بات توالي سنوات الجفاف يكشف واقعاً مائياً مختلفاً عن المعطيات التي انطلقت منها البرامج الفلاحية.
وأكد عبد الغني الشهبوني، أستاذ الهيدرولوجيا بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ومدير أبحاث بمعهد البحث من أجل التنمية، أن الموارد المائية التي أمكن تعبئتها خلال بعض سنوات الجفاف لم تتجاوز ما بين 7 و8 مليارات متر مكعب.
وتُظهر مقارنة الرقمين فجوة قد تبلغ نحو 10 مليارات متر مكعب بين الفرضية التي استندت إليها المخططات الفلاحية والموارد المعبأة فعلياً خلال بعض سنوات الجفاف، ما يعيد إلى الواجهة سؤال استمرار صلاحية الاختيارات الزراعية الموضوعة خلال مرحلة مناخية لم تعد قائمة.
وبحسب الخبير، يفرض هذا التحول المناخي إعادة تقييم بعض التوجهات، خصوصاً السياسات الداعمة للزراعات المستهلكة لكميات كبيرة من المياه داخل المناطق الأكثر معاناة من الخصاص المائي.
ولا يرتبط الضغط المائي بتراجع التساقطات وحده، إذ تؤدي موجات الحر إلى ارتفاع الطلب على مياه الشرب والسقي، بالتزامن مع تقلص الموارد المتاحة وازدياد حاجيات المزروعات إلى الري، ما يرفع حدة التنافس على المياه بين الاستعمال المنزلي والفلاحة والصناعة والسياحة وحماية الأنظمة البيئية.
وأشارت «لوموند»، استناداً إلى دراسة أصدرتها جمعية «نشفات» سنة 2023، إلى أن القطاع الفلاحي يمثل نحو 85 في المائة من استهلاك المياه في المغرب، ما يجعله أول القطاعات المتأثرة بتغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد السطحية والجوفية.
وتنعكس هذه الوضعية على مردودية الزراعات البورية، كما ترفع حاجيات السقي وتقلص الموارد العلفية وتزيد هشاشة مربي الماشية والفلاحين، مع ما يترتب عن ذلك من آثار على مداخيلهم والإنتاج الوطني والأمن الغذائي.
وتأتي هذه المعطيات رغم الاستثمارات التي وجهها المغرب إلى بناء السدود ومحطات تحلية مياه البحر والربط بين الأحواض المائية وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة.
غير أن الخبيرين شددا على أن تعبئة موارد إضافية لن تكون كافية وحدها، داعين إلى تحسين تدبير الطلب على الماء، ورفع القيمة الاقتصادية والاجتماعية المنتجة من كل متر مكعب، وضمان توزيع أكثر إنصافاً للموارد بين القطاعات والمناطق.
وسبق للبنك الدولي أن حذر من تزايد هشاشة المغرب أمام ندرة المياه، مشيراً إلى أن تقلب الموارد وتراجع التساقطات واستنزاف المياه الجوفية تمثل تحديات متصاعدة أمام القطاع الفلاحي.
وبين فرضية 17 مليار متر مكعب التي رافقت إعداد المخططات الفلاحية، وواقع تراوحت فيه الموارد المعبأة بين 7 و8 مليارات خلال بعض سنوات الجفاف، يعود ملف السياسة الفلاحية إلى الواجهة بسؤال مباشر: هل تكفي إضافة السدود ومحطات التحلية، أم أصبح المغرب في حاجة إلى مراجعة الاختيارات الزراعية نفسها وفق موارده المائية المتاحة فعلياً؟
