عاد عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إلى الواجهة من بوابة المحمدية، في لقاء تواصلي نظمته الكتابة الإقليمية للحزب، حيث ألقى كلمة مطولة جمع فيها بين النقد السياسي المباشر، والدفاع عن موقع حزبه، واستحضار المؤسسة الملكية، والدعوة إلى تعبئة انتخابية مبكرة استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
ومنذ بداية كلمته، اختار ابن كيران الدخول بنبرة ساخرة، بعدما علّق على الحضور داخل القاعة، معتبراً أن بعض خصومه حاولوا التقليل من حجم التجمع، بالحديث عن أرقام لا تعكس، حسب تعبيره، واقع الحضور. وقال إن من يخلط بين “50 و500” لا يحسن الحساب، في إشارة إلى من وصفه بأنه “أستاذ جامعي” ظهر في وسائل إعلام أجنبية وقلل من قدرة الحزب على تعبئة الناس.
غير أن الجزء الأكبر من كلمة ابن كيران خُصص للهجوم على حكومة عزيز أخنوش، حيث اعتبر أن الحكومة الحالية “سقطت سياسياً”، وأنها، بحسب تعبيره، “جالسة كتلقط الأيام” في انتظار الانتخابات المقبلة. وربط الأمين العام للعدالة والتنمية هذا السقوط بما وصفه بتراكم ملفات لم تقدم الحكومة بشأنها أجوبة واضحة، من المحروقات وتضارب المصالح، إلى ملف القطيع والأضاحي، مروراً بصفقات تحلية مياه البحر، والدعم، وعلاقة المال بالسياسة.
وأكد ابن كيران أن المعارضة، رغم محدودية عدد نواب حزبه في البرلمان، تمكنت في نظره من كشف اختلالات كبرى في تدبير الحكومة. وخص بالذكر المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، قائلاً إن 13 نائباً فقط استطاعوا أن يربكوا الحكومة ويفضحوا ملفات حساسة، قبل أن يشدد على أن السياسة ليست مجالاً لحماية المصالح الخاصة، بل مسؤولية أخلاقية وعمومية تجاه المواطنين.
وفي سياق نقده لرئيس الحكومة، توقف ابن كيران عند ملف المحروقات، مذكراً بقرار مجلس المنافسة الذي فرض غرامات على شركات عاملة في القطاع، معتبراً أن هذا الملف كان يستوجب، سياسياً وأخلاقياً، تقديم توضيحات للرأي العام. كما عاد إلى ملف الأضاحي، محملاً الحكومة مسؤولية ما وصفه بالارتباك الذي عرفه السوق، سواء في السنة الماضية أو الحالية، بسبب ما اعتبره سوء تقدير وتدبيراً غير موفق.
ولم يبتعد ابن كيران عن السجال المرتبط بالإعلام والفن، حيث دافع عن الفنانة فاطمة وشاي، التي أثنى على حضورها وكلمتها، معتبراً أنها تمثل وجهاً فنياً قريباً من الناس ومن همومهم الحقيقية. وقال إن الحزب زكاها لأنها، في نظره، تحمل قيماً ومبادئ قريبة من العدالة والتنمية، رغم أنها ليست بالضرورة منتمية تنظيمياً إلى الحزب منذ البداية.
وفي المقابل، انتقد ابن كيران ما اعتبره محاولة للمس بصندوق دعم الفنانين أو توجيه موارده لفائدة ناشري الصحف، معتبراً أن الفنانين، خاصة من تقدموا في السن أو يعيشون وضعيات صعبة، أولى بهذا الدعم من مؤسسات إعلامية قال إن بعضها يملك إمكانيات مالية كبيرة. واستعمل في هذا السياق لغة حادة تجاه الحكومة، متهماً إياها بمحاولة استغلال موارد موجهة لفئة اجتماعية وثقافية تحتاج إلى الحماية.
كما خصص ابن كيران جزءاً لافتاً من كلمته للحديث عن علاقته بالمؤسسة الملكية، رداً على من قال إنهم يحاولون الإيقاع بينه وبين الملك محمد السادس. وأكد أن موقفه من الملكية ليس مرتبطاً بموقف الملك منه شخصياً، بل بقناعة سياسية راسخة، مشدداً على أن المغرب يحتاج إلى ملكية تحكم وتسود في إطار الدستور، وإلى حياة ديمقراطية سليمة في الوقت نفسه.
وقال ابن كيران إن الملك، وفق الدستور، يرأس المجلس الوزاري، ويضطلع بأدوار مركزية في الدولة، لكنه أوضح أن ذلك لا يلغي أدوار الحكومة والبرلمان والأحزاب. واعتبر أن مسؤولية السياسيين هي القيام بواجبهم داخل المؤسسات، وعدم ترك الملك وحده في مواجهة تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي.
وفي قراءته للسياق الدولي، حذر ابن كيران من أن العالم يمر بمرحلة اضطراب غير مسبوقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مشيراً إلى الحروب والتوترات الدولية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومن إيران إلى العلاقة بين الولايات المتحدة والصين. واعتبر أن ضعف النظام الدولي القديم وعدم تشكل نظام جديد واضح يفرض على المغرب تقوية جبهته الداخلية، والتوحد حول المؤسسة الملكية، وتعزيز التنسيق مع الدول العربية والإسلامية.
ودعا ابن كيران المغاربة، في هذا السياق، إلى اليقظة السياسية، معتبراً أن الوضع الداخلي والخارجي لا يسمحان باللامبالاة. وقال إن البلاد تحتاج إلى حكم رشيد، وإلى مواطنين يتحملون مسؤوليتهم في اختيار من يدبرون الشأن العام، سواء على المستوى الحكومي أو البرلماني أو الجماعي.
وتوقف الأمين العام للعدالة والتنمية عند المحمدية، مخاطباً أعضاء حزبه بالمدينة بلهجة مباشرة، داعياً إياهم إلى تجاوز الخلافات الداخلية والعمل يداً واحدة من أجل استعادة حضور الحزب محلياً. واعتبر أن المدينة لها تاريخ ومكانة، لكنها لن تستعيد ألقها إلا إذا تحمل أبناؤها مسؤوليتهم السياسية والتنظيمية.
وفي الرسالة الانتخابية الأوضح خلال اللقاء، دعا ابن كيران أنصاره إلى عدم الاكتفاء بالحضور والتصفيق، بل النزول إلى الميدان والتواصل مع المواطنين. وقال إن المرحلة المتبقية قبل الانتخابات لا تسمح بالنوم أو التراخي، مؤكداً أن صوت المواطن “شهادة” لا ينبغي أن يباع بالمال أو يخضع للضغط والخوف.
كما وجه ابن كيران رسالة إلى الشباب، خصوصاً على خلفية الاحتجاجات والاعتقالات التي عرفتها بعض المحطات السابقة، حيث عبّر عن ارتياحه لإطلاق سراح عدد من الشباب، ودعا الملك إلى تمتيع باقي المعتقلين الذين لم يتورطوا في أعمال عنف بالعفو أو السراح. وفي الوقت نفسه، حذر الشباب من الانسياق وراء دعوات مجهولة المصدر قد تجرهم إلى مواجهات لا يتحملون تبعاتها وحدهم، بل تدفع عائلاتهم ثمنها نفسياً واجتماعياً.
ولم تخل الكلمة من رسائل اجتماعية محافظة، خصوصاً في ما يتعلق بالأسرة والزواج والإرث والعلاقات داخل المجتمع. فقد دعا ابن كيران النساء والشباب إلى التمسك بما وصفه بالقيم الدينية والاجتماعية المغربية، محذراً من خطابات قال إنها قد تؤدي إلى تفكيك الأسرة وإضعاف الروابط الاجتماعية.
وفي ختام كلمته، عرج ابن كيران على تعادل المنتخب المغربي مع البرازيل، معترفاً بأنه لا يتابع كرة القدم كثيراً، لكنه عبّر عن فرحه بالنتيجة التي وصفها بالمشرفة، معتبراً أن المغاربة يفرحون حين ينجح بلدهم في الرياضة كما في باقي المجالات.
كلمة ابن كيران في المحمدية بدت، في مجملها، أكثر من مجرد لقاء حزبي محلي. فقد كانت خطاباً سياسياً واسعاً حاول من خلاله الأمين العام للعدالة والتنمية إعادة رسم موقع حزبه داخل المعارضة، وتقديم نفسه باعتباره صوتاً ناقداً للحكومة، ومدافعاً عن الملكية، ومراهناً على عودة الثقة بين حزبه والناخبين. وبين السخرية والهجوم والدعوة إلى التعبئة، بدا واضحاً أن ابن كيران يريد تحويل المرحلة المقبلة إلى مواجهة سياسية عنوانها الأساسي: من يستحق ثقة المغاربة في صناديق الاقتراع؟
