بقلم: الباز عبدالإله
تحولت مشاهد عشرات الآلاف من الأشخاص وهم يعبرون براً وبحراً من المغرب نحو مدينة سبتة المحتلة إلى أزمة سياسية وإنسانية تصدرت نشرات الأخبار الدولية، ودفعت الحكومة الإسبانية إلى نشر الجيش واستنفار أجهزتها الأمنية وإرسال رئيسها بيدرو سانشيز ووزير الداخلية إلى المدينة، بينما ظل المغاربة ينتظرون ظهور رئيس حكومتهم لتقديم رواية رسمية ومفصلة عما جرى على الحدود الشمالية للمملكة.
قدرت وزارة الداخلية الإسبانية عدد الذين دخلوا سبتة منذ صباح الخميس بنحو 49 ألف شخص، فيما تحدثت سلطات المدينة عن أعداد قاربت 60 ألفاً خلال يومين. وأعلنت مدريد أن نحو 48 ألفاً و300 شخص عادوا إلى المغرب إلى حدود مساء الجمعة، بينما ارتفعت حصيلة الجثث المنتشلة في الجانب الإسباني إلى 57، وسط مخاوف من وجود ضحايا آخرين في الجانب المغربي.
أمام هذه الأرقام الثقيلة، لم يظهر، إلى حدود مساء الجمعة 31 يوليوز 2026، بلاغ حكومي مغربي مفصل ومتاح للرأي العام يحمل توقيع رئيس الحكومة عزيز أخنوش، أو وزارتي الداخلية والخارجية، ويوضح عدد القتلى والمفقودين والمصابين والموقوفين في الجانب المغربي، وكيف وصلت هذه الأعداد إلى محيط الحدود، وما الإجراءات التي اتخذت لحماية المواطنين والقاصرين ومنع تكرار المأساة.
لا يعني ذلك غياب أي موقف مغربي بصورة مطلقة. فقد قالت سفيرة المغرب في مدريد، كريمة بنيعيش، إن الوضع في سبتة «لا يرضي» المملكة، وإن المغرب يريد عودة مواطنيه الذين عبروا بصورة غير نظامية، مؤكدة استمرار الاتصالات بين السلطات المغربية والإسبانية لمعالجة الأزمة. غير أن التصريح صدر خلال حفل دبلوماسي في مدريد، ولم يتحول إلى خطاب حكومي مفصل وموجه إلى الرأي العام المغربي.
بعبارة أوضح، تحدثت السفارة المغربية إلى الإعلام الإسباني عن وجود تنسيق بين البلدين، لكن رئيس الحكومة ووزراءه لم يظهروا أمام المواطنين لتقديم الوقائع، وشرح ما كانت تعرفه الدولة قبل الأزمة، وما الذي قامت به أثناءها، وكيف ستتعامل مع تداعياتها الإنسانية والسياسية بعد عودة الهدوء إلى الحدود.
في المقابل، انتقل بيدرو سانشيز إلى سبتة رفقة وزير الداخلية، وتفقد معبر تاراخال، واجتمع بالمسؤولين الأمنيين والمحليين، بينما أعلنت مدريد تعبئة الجيش والشرطة والحرس المدني لمواجهة التدفق غير المسبوق وتسريع عمليات العودة بالتنسيق مع المغرب.
ووجد المواطن المغربي نفسه يتلقى المعلومات المتعلقة بما تفعله سلطات بلاده من الحكومة الإسبانية ووسائل الإعلام الأجنبية، لا من مؤسساته الحكومية. مدريد تقدم الأرقام وتشرح إجراءاتها وتعلن مستوى التنسيق مع الرباط، بينما تغيب الرواية المغربية التي يفترض أن تجيب أولاً عن مصير المواطنين المغاربة.
وأكدت وكالة «رويترز» أن وزارة الداخلية المغربية لم تستجب لطلبات التعليق التي وجهتها إليها، في وقت نقلت فيه الوكالة صوراً وشهادات من الفنيدق وسبتة، ووصفت ما وقع بأنه تدفق غير مسبوق هز الحدود وأثار أزمة إنسانية وسياسية داخل إسبانيا وأوروبا.
وبدل أن تشرح الحكومة المغربية أسباب ما جرى، أصبح الإعلام الدولي هو الذي يقدم للعالم روايته عن الدوافع التي حملت آلاف الشباب على قطع مئات الكيلومترات والتوجه نحو الشمال، رابطاً بين العبور والبحث عن مستقبل أفضل، وضعف الأجور والبطالة والفقر وتراجع الثقة في الخدمات العمومية.
ونقلت «رويترز» شهادات لشباب قالوا إنهم تحركوا بعد مشاهدة مقاطع وتدوينات على منصات التواصل الاجتماعي تتحدث عن إمكانية العبور والبقاء داخل إسبانيا، لكنها وضعت هذه الشائعات داخل سياق اجتماعي أوسع، مشيرة إلى أن نحو ربع المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة يوجدون خارج الدراسة والعمل والتكوين.
هذه المعطيات تجعل أزمة سبتة أكبر من مجرد خلل أمني أو إشاعة انتشرت عبر الإنترنت. فالشائعة قد تفسر توقيت التحرك، لكنها لا تفسر وحدها استعداد عشرات الآلاف لقطع الطرق والمبيت في العراء والمخاطرة بالغرق أو الموت تحت التدافع بحثاً عن فرصة للوصول إلى أوروبا.
الإشاعة وجدت أرضاً اجتماعية مهيأة، عنوانها ضعف الأفق الاقتصادي، وفقدان الثقة، والشعور لدى فئات واسعة من الشباب بأن المستقبل يوجد خارج الحدود، حتى أصبح خبر غير مؤكد عن فتح الطريق نحو إسبانيا كافياً لإطلاق واحدة من أكبر موجات العبور التي شهدتها سبتة في تاريخها الحديث.
هنا تجد حكومة أخنوش نفسها أمام امتحان سياسي مباشر. فالحكومة التي جعلت من «الدولة الاجتماعية» عنواناً مركزياً لحصيلتها تواجه اليوم صوراً قاسية لشباب ونساء وقاصرين يغادرون البلاد جماعياً، في مشهد يضع خطابها حول التشغيل والحماية الاجتماعية وتحسين مستوى العيش أمام اختبار لا يمكن تجاوزه بالصمت أو بتصريح دبلوماسي مقتضب صادر من مدريد.
الأزمة تطرح أسئلة لا يمكن اعتبارها مجرد مزايدات سياسية. هل كانت الحكومة على علم بالدعوات التي سبقت وصول الحشود إلى الشمال؟ وهل توصلت وزارة الداخلية بتقارير تحذر من حجم التحركات داخل الطرق والمحطات والمنصات الاجتماعية؟ ومتى ظهر أول إنذار؟ وما التدابير التي اتخذت لحماية القاصرين ومنع سقوط الضحايا في البحر وعند المعابر؟
كما يحتاج المغاربة إلى معرفة الحصيلة المسجلة في الجانب المغربي، لا الأرقام التي تعلنها السلطات الإسبانية فقط. كم عدد القتلى والمفقودين والمصابين؟ وكم شخصاً جرى توقيفه أو إعادته؟ وما ظروف التعامل مع العائدين؟ وما الضمانات التي وضعت لحماية القاصرين والنساء والأسر التي ظهرت ضمن موجات العبور؟
داخل إسبانيا، تحولت الأزمة إلى موضوع محاسبة علنية للحكومة وأجهزة الدولة. وطالب زعيم المعارضة ألبرتو نونييث فييخو بكشف ما إذا كانت أجهزة الاستخبارات أو سلطات سبتة قد أصدرت تحذيرات مسبقة، وما الذي كانت الحكومة تعرفه وتوقيت علمها به، معتبراً أن وجود الإنذارات وتجاهلها، أو عدم توفرها أصلاً، يطرح في الحالتين مسؤولية سياسية.
أما في المغرب، فلا يظهر إلى وقت التحرير إعلان علني عن اجتماع حكومي استثنائي، أو فتح تحقيق مفصل، أو مثول رئيس الحكومة ووزرائه أمام المواطنين والبرلمان لشرح ما وقع، رغم أن الأزمة انطلقت من التراب المغربي، وذهب ضحيتها مواطنون مغاربة، وألحقت بصورة البلاد أضراراً تناقلتها شاشات العالم.
الأخطر من ضعف التواصل هو ترك الروايات الخارجية تحدد وحدها تفسير الأحداث. فقد أعادت وسائل إعلام ومحللون أجانب استحضار أزمة سنة 2021، وطرحوا فرضيات بشأن احتمال ارتباط العبور بتوترات دبلوماسية بين الرباط ومدريد. وهي فرضيات لم تقدم بشأنها أدلة حاسمة، لكن غياب رواية مغربية رسمية ومفصلة يترك المجال مفتوحاً أمامها للانتشار والتحول إلى تفسير جاهز لما وقع.
لا تحتاج الحكومة إلى خطاب دعائي أو إلى إنكار صور شاهدها المغاربة والعالم، بل إلى تقديم حصيلة دقيقة وشفافة تشمل عدد الضحايا والمفقودين والموقوفين، وظروف وصول الحشود إلى الحدود، ونتائج التحقيقات، والإجراءات المتخذة لحماية القاصرين، وحقيقة التنسيق مع إسبانيا بشأن إعادة العابرين.
ما وقع في سبتة ليس أزمة تهم مدريد وحدها، ولا حادثاً حدودياً يمكن أن تطويه عودة المعابر إلى الهدوء. إنها لحظة سياسية واجتماعية وضعت حصيلة الحكومة أمام سؤال مباشر: كيف يمكن الحديث عن نجاح الدولة الاجتماعية، بينما يختار عشرات الآلاف مغادرة البلاد دفعة واحدة، ويضع بعضهم حياته بين البحر والأسلاك بحثاً عن طريق إلى أوروبا؟
حين تتحدث مدريد، وتتحرك المعارضة الإسبانية، وتنشر الوكالات الدولية الأرقام والتحقيقات والشهادات، بينما لا يجد المغاربة رئيس حكومتهم أمامهم ليشرح ما وقع، يصبح الغياب الحكومي نفسه جزءاً من الأزمة.
ومهما كانت أسباب الأحداث، فإن أول واجب على عزيز أخنوش وحكومته هو الخروج من دائرة الصمت والتواصل غير المباشر، ومواجهة المواطنين بالأرقام والوقائع، بدل ترك العالم يتحدث عن المغرب، ومدريد تشرح ما تفعله الرباط، بينما يظل المغاربة آخر من يتعرف على رواية حكومتهم.
