بقلم: الباز عبدالإله
لم تكن مرافعة وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، داخل مجلس المستشارين اليوم مجرد عرض تقني لوضعية المؤسسات والمقاولات العمومية، بل كانت مرافعة سياسية أرادت من خلالها الوزيرة صياغة “عقد دفاع” جديد عن واحدة من أكثر أذرع الدولة حساسية.
في لحظة اجتماعية دقيقة، تتسم بارتفاع سقف التوقعات ومطالب تحسين جودة الخدمات، اختارت الوزيرة لغة الأرقام كدرع واقٍ، مؤكدة أن هذه المؤسسات ليست عبئاً، بل أدوات استراتيجية للسيادة الاقتصادية، وتمويل المشاريع الكبرى، وتنزيل السياسات العمومية.
لكن المثير في المرافعة لم يكن ما قيل فقط، بل ما استُبطن في “سؤال الوجود” الذي طرحته الوزيرة: ماذا لو لم تكن هذه المؤسسات موجودة؟
هذا التساؤل ليس مجرد حجة دفاعية، بل محاولة لنقل مركز ثقل النقاش من “جودة الأداء” إلى “شرعية الوجود”.
وهو انتقال ذكي من زاوية التكنوقراط، لكنه يغفل أن المواطن لا يشكك بالضرورة في حاجة الدولة إلى مؤسسات عمومية، بل يسأل عن جدوى أدائها، ونجاعة تدبيرها، وأثرها الحقيقي على حياته اليومية.
إنه انزياح في زاوية النقاش، يفترض أن مجرد وجود المؤسسة وتدفق استثماراتها يكفيان لتبرير الحصيلة، بينما جوهر المساءلة لا يتعلق بالوجود وحده، بل بالنتائج.
لغة الأرقام التي قدمتها الوزيرة، من ارتفاع رقم المعاملات بـ40 في المائة، وقفزة الاستثمارات بـ98 في المائة، وتحسن النتيجة الصافية إلى 26.6 مليار درهم، تعكس نجاحاً مالياً لا يمكن إنكار دلالته في “حسابات الدولة”.
لكن هنا يكمن الانفصام المؤسساتي: نجاح المحفظة في الجداول المالية لا يترجم بالضرورة نجاح الخدمة في الميدان.
فالمواطن الذي يواجه بطء الإدارة، وجحيم المواعيد الطبية، وتذبذب جودة الخدمات الأساسية، لا يعنيه حجم السيولة في خزائن المؤسسات بقدر ما يعنيه حجم “الخدمة” التي يتلقاها في حياته اليومية.
إن الحديث عن نموذج “الدولة المساهمة”، وعن الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمة الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، هو اعتراف ضمني بأن المؤسسات العمومية عانت طويلاً من غياب الرؤية الموحدة.
غير أن التحدي لا يكمن فقط في “الهندسة الإدارية” أو تغيير أسماء المجالس الإدارية، بل في “عقيدة التدبير”.
فالخوف كل الخوف أن يكون هذا الإصلاح مجرد إعادة ترتيب للأوراق بلباس تحديثي، بدل أن يكون ثورة حقيقية في الحكامة.
فالحكامة التي لا تربط المسؤولية بالمحاسبة، والتي تظل رهينة التوافقات بدل النتائج، ستظل هي الأخرى رقماً إضافياً في لوحة البيانات، دون أثر ملموس في حياة المواطن.
وتأتي الشركات الجهوية متعددة الخدمات والمجموعات الصحية الترابية لتكون محك الاختبار لهذا الورش.
هذه المؤسسات لا تعمل في أبراج عاجية، بل تلامس أعصاب المواطن اليومية: الماء، الكهرباء، التطهير السائل، الصحة، الاستقبال، الفاتورة، وجودة الخدمة.
وهنا، لن يغفر المواطن ضعف الخدمة بحجة صعوبة الإصلاح، فإذا كانت هذه الهياكل الجديدة مجرد وسطاء إداريين جدد، فإننا سنكون أمام تأميم للأزمات تحت مسمى التحديث.
الدولة مطالبة اليوم بإثبات أن هذه المجموعات أدوات لإنهاء البلوكاج، لا مجرد هياكل بيروقراطية تستهلك اعتمادات مهمة دون إحداث قطيعة واضحة مع الماضي.
لقد استحضرت الوزيرة تجربة ميناء طنجة المتوسط، وهو استحضار موفق لنموذج وطني بإشعاع دولي.
لكن التحدي الأكبر يكمن في تعميم النجاح.
لماذا تنجح الدولة في بناء واجهات كبرى تبهر الخارج، بينما تظل قطاعات حيوية قريبة من المواطن عالقة في دهاليز البطء ورداءة الخدمة؟
إن هذا التباين هو ما يغذي الشعور بعدمية الإصلاح لدى المواطن. فحين يرى المواطن مشاريع كبرى تتحرك بسرعة، مقابل خدمات يومية تتحرك ببطء، يصبح السؤال مشروعاً: هل نصلح المؤسسات لخدمة الناس، أم نجمّل واجهات الدولة أمام الأرقام والمؤشرات؟
إن الدفاع عن المؤسسات العمومية يتطلب اليوم أكثر من أي وقت مضى شجاعة المكاشفة.
المغرب في حاجة ماسة إلى مؤسسات قوية، لكن القوة الحقيقية لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات أو الموارد المحولة إلى الميزانية العامة، بل بقدرة هذه المؤسسات على تحويل المال العام إلى كرامة مواطن.
فالمؤسسة التي تفتخر بأرباحها المالية وتتعثر في ضمان خدمة سريعة وعدالة في الولوج، هي مؤسسة ناجحة مالياً، لكنها متعثرة وظيفياً.
وهذا هو جوهر المعضلة: كيف يمكن أن تربح المحفظة العمومية بينما يظل المواطن خاسراً في طابور الانتظار؟
خلاصة القول إن دفاع نادية فتاح يضع نصف الحقيقة فوق الطاولة؛ النصف المتعلق بدور المؤسسات العمومية كأدوات استراتيجية للدولة.
أما النصف الآخر، وهو حق المواطن في الخدمة، فيظل خارج القاعة، في انتظار ترجمة هذه الأرقام إلى واقع ملموس.
الرهان اليوم لم يعد من يربح المحفظة العمومية، بل من يربح ثقة المواطن.
وحين يصبح رضا المرتفق مؤشراً حقيقياً، لا مجرد بند في تقرير سنوي، داخل لوحة قيادة الأداء الحكومي، حينها فقط يمكن القول إننا غادرنا منطقة “حكومة الأرقام” لندخل فعلياً عصر “إصلاح النتائج”.
