بقلم: الباز عبدالإله
تناولت صحيفة Deutsche Welle الألمانية في تقرير نُشر أمس ملف تنظيم المغرب لكأس العالم 2030، مسلطةً الضوء على الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المرتبطة بهذا الحدث العالمي، الذي بات يُنظر إليه باعتباره أكثر من مجرد تظاهرة رياضية، بل محطة استراتيجية ضمن مسار تعزيز مكانة المغرب على الساحة الدولية.
وأشار التقرير إلى أن مونديال 2030 يمثل بالنسبة للمغرب مشروعاً وطنياً ذا أبعاد متعددة، إذ تراهن المملكة على هذه المناسبة لتسريع وتيرة تطوير البنية التحتية، وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية، وترسيخ صورتها كدولة قادرة على احتضان وتنظيم الأحداث الكبرى وفق المعايير الدولية.
وبحسب Deutsche Welle، يخصص المغرب استثمارات مهمة لتطوير الملاعب والمطارات وشبكات الطرق والسكك الحديدية، في إطار التحضيرات لتنظيم كأس العالم بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال. وترى الصحيفة أن هذه المشاريع تندرج ضمن رؤية أشمل تهدف إلى تحديث البنية الاقتصادية وتعزيز الحضور الدولي للمملكة، مع توظيف الرياضة كأداة فعالة للقوة الناعمة.
ونقل التقرير آراء عدد من الخبراء الألمان والإسبان الذين اعتبروا أن مونديال 2030 قد يشكل رافعة اقتصادية مهمة للمغرب، من خلال دعم القطاع السياحي، وتحفيز الاستثمارات، وتطوير منظومة النقل، وتعزيز صورة البلاد لدى المستثمرين والشركاء الدوليين.
كما أبرز التقرير أن المغرب، في ظل محدودية موارده من النفط والغاز، يعتمد بشكل متزايد على موقعه الجغرافي الاستراتيجي واستقراره السياسي ورصيده الثقافي والرياضي لتعزيز حضوره وتأثيره على المستوى الدولي.
وفي المقابل، لم يغفل التقرير التحديات المرتبطة بهذه المشاريع، حيث أثار تساؤلات بشأن كلفتها الاجتماعية ومدى انعكاسها المباشر على حياة المواطنين، مشيراً إلى وجود نقاش داخل بعض الأوساط، خاصة بين فئة الشباب، حول أولويات الإنفاق العمومي في ظل استمرار تحديات مرتبطة بالتعليم والصحة والتشغيل وارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي هذا الإطار، استعرض التقرير بعض النقاشات والاحتجاجات التي شهدتها الساحة العامة خلال السنوات الماضية بشأن ترتيب الأولويات التنموية، حيث يرى بعض المنتقدين أن جزءاً من الموارد المخصصة للبنيات الرياضية كان يمكن توجيهه إلى قطاعات اجتماعية ذات أولوية.
ومع ذلك، يوضح التقرير أن هذه المواقف لا تعكس بالضرورة رفضاً لتنظيم كأس العالم، بقدر ما تعبر عن تطلع إلى ضمان استفادة المواطنين بشكل مباشر ومستدام من المشاريع المرتبطة بالحدث، بما يضمن تحقيق أثر تنموي ملموس يتجاوز فترة البطولة.
كما تطرق المصدر الألماني إلى مسألة الاستغلال المستقبلي للملاعب والمنشآت الرياضية بعد انتهاء المنافسات، متوقفاً عند مشروع ملعب الحسن الثاني قرب الدار البيضاء، المرتقب أن يكون من بين أكبر الملاعب عالمياً، مع طرح تساؤلات حول استدامة استخدامه وقدرته على الحفاظ على جاذبيته بعد المونديال.
وتناول التقرير كذلك البعد البيئي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالإجهاد المائي الذي يشهده المغرب خلال السنوات الأخيرة، متسائلاً عن قدرة البلاد على تحقيق التوازن بين تطوير البنية التحتية وتنمية القطاع السياحي من جهة، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وعلى رأسها المياه، من جهة أخرى، في سياق يتسم بتزايد آثار التغيرات المناخية.
ورغم هذه التساؤلات، تؤكد Deutsche Welle أن شريحة واسعة من المغاربة تنظر إلى مونديال 2030 باعتباره فرصة تاريخية لتعزيز صورة المملكة دولياً، وتطوير بنياتها التحتية، واستقطاب الاستثمارات، ومنح دفعة قوية لقطاعات السياحة والخدمات والنقل.
وتخلص الصحيفة إلى أن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في تشييد منشآت حديثة أو تنظيم بطولة ناجحة، بل في قدرة المغرب على تحويل هذا الحدث إلى مشروع تنموي مستدام يحقق التوازن بين الطموحات الدولية ومتطلبات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، يفتح التقرير نقاشاً أوسع حول ما إذا كان مونديال 2030 سيشكل محطة نوعية لتسريع وتيرة التحديث وخلق فرص جديدة، أم أن نجاحه سيظل رهيناً بمدى انعكاس نتائجه الإيجابية على حياة المواطنين في مجالات التعليم والصحة والتشغيل والنقل والخدمات الأساسية.
وبين الطموح الرياضي الكبير والتحديات التنموية المطروحة، يخلص التقرير إلى أن النجاح الحقيقي للمغرب لن يُقاس فقط بحسن تنظيم البطولة، بل بقدرته على جعل هذا الحدث العالمي رافعة لتنمية مستدامة يشعر المواطن بأثرها الإيجابي حتى بعد إسدال الستار على المنافسات.
