بقلم: الباز عبدالإله
عاد ملف أسعار المحروقات في المغرب إلى الواجهة من بوابة دولية هذه المرة، بعدما أعادت وكالة الطاقة الدولية، في ملخصها الشهري المفتوح حول سوق النفط، رسم ملامح سوق عالمي يتجه نحو تحولات جديدة في العرض والطلب والأسعار، وسط توقعات بعودة فائض مهم في الإمدادات خلال المرحلة المقبلة.
وبينما تتجه أنظار الأسواق الدولية إلى تطورات النفط الخام وأسعار برنت والتوازنات المرتبطة بالإنتاج العالمي، يبقى السؤال المغربي أكثر مباشرة وبساطة: حين تنخفض الأسعار في السوق الدولية، لماذا لا يشعر المواطن دائماً بذلك الانخفاض بالسرعة نفسها داخل محطة الوقود؟
السؤال لا يتعلق فقط بسعر البرميل في نشرات الاقتصاد العالمية، بل بفاتورة يومية يؤديها السائقون والمهنيون وأرباب النقل والمقاولات الصغرى، قبل أن تنتقل آثارها إلى أسعار السلع والخدمات.
فالمحروقات في المغرب ليست مجرد مادة استهلاكية، بل عنصر حاسم في كلفة النقل والإنتاج والتوزيع، وكل تغير في أسعارها ينعكس، بشكل مباشر أو غير مباشر، على جيب المواطن.
تقرير وكالة الطاقة الدولية أعاد التذكير بأن سوق النفط العالمي يعيش مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها عوامل العرض والطلب والتوترات الجيوسياسية والمخزونات وأسعار التكرير. غير أن ما يهم المغرب، باعتباره بلداً مستورداً للطاقة، هو كيف تتحول هذه المؤشرات الدولية إلى أسعار يراها المواطن في اللوحات المعلقة بمحطات الوقود.
هنا يبدأ النقاش الحقيقي، فالمستهلك المغربي لا يناقش تعقيدات السوق الدولية بقدر ما يراقب الفرق بين سرعة ارتفاع الأسعار عندما يصعد النفط عالمياً، وبطء انخفاضها عندما تتراجع المؤشرات الدولية.
هذه المفارقة هي التي تجعل ملف المحروقات واحداً من أكثر الملفات حساسية في النقاش العمومي المغربي.
وليست هذه الأسئلة جديدة، فقد سبق لمجلس المنافسة أن وضع سوق المحروقات تحت المجهر، بعد ملف واسع انتهى باتفاقات صلح مع تسع شركات تنشط في أسواق تموين وتخزين وتوزيع الغازوال والبنزين.
ونصت تلك الاتفاقات على أداء مبلغ إجمالي يفوق 1.84 مليار درهم كتسوية تصالحية، إلى جانب التزامات تهدف إلى تحسين السير التنافسي للسوق والوقاية من مخاطر المساس بالمنافسة لفائدة المستهلك.
الأهم في بلاغ مجلس المنافسة لم يكن فقط مبلغ التسوية، بل ما جاء بعده.
فقد شدد المجلس على ضرورة تتبع العلاقة بين أسعار البيع للعموم وأسعار المنتجات المكررة في السوق الدولية، كما ألزم الشركات المعنية بمده بتقارير دورية حول نشاط التموين والتخزين والتوزيع، ومشتريات ومبيعات المحطات، ومستويات المخزون.
هذا المعطى يضع النقاش اليوم في إطاره الحقيقي فإذا كان مجلس المنافسة نفسه قد جعل من تتبع العلاقة بين الأسعار الوطنية والدولية محوراً من محاور المراقبة، فإن سؤال المواطن يصبح مشروعاً: هل تنعكس الانخفاضات الدولية على السوق المغربية بالقدر والسرعة نفسيهما اللذين تنعكس بهما الارتفاعات؟
وتزيد تقارير مجلس المنافسة اللاحقة هذا السؤال قوة. ففي تقرير تتبع التزامات شركات التوزيع برسم الربع الثالث من 2025، سجل المجلس أن واردات الغازوال والبنزين ارتفعت من حيث الحجم، بينما تراجعت قيمتها الإجمالية مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة.
كما أظهر التقرير أن تسع شركات فقط تركز حصة مهمة من واردات السوق، سواء من حيث الحجم أو القيمة.
هذا يعني أن السوق لا يعيش فقط تحت تأثير السعر الدولي، بل يتأثر أيضاً ببنية الاستيراد، وسعة التخزين، ودورة التموين، وهوامش التوزيع، والضرائب، وكلفة النقل، وطبيعة المنافسة بين الفاعلين.
لذلك، حين ينخفض النفط عالمياً، لا يكفي أن نقول إن السعر يجب أن ينخفض فوراً، لكن من حق المواطن أن يعرف لماذا لا ينخفض، وكم يستغرق انتقال الانخفاض من السوق الدولية إلى المضخة، ومن يستفيد من فارق الزمن والكلفة.
في المقابل، لا يمكن اختزال سعر المحروقات في ثمن البرميل وحده.
فالسعر النهائي الذي يؤديه المواطن يتكون من عدة عناصر، منها ثمن الاستيراد، وكلفة التكرير أو المنتجات المكررة، والنقل، والتخزين، والضرائب، وهوامش الفاعلين.
غير أن هذا التعقيد لا يجب أن يتحول إلى ستار يحجب السؤال المركزي: هل السوق تنافسية بما يكفي لكي يستفيد المستهلك من الانخفاضات الدولية؟
هذا هو جوهر الملف. فبعد تحرير أسعار المحروقات، انتقل المغرب من نظام الأسعار المؤطرة إلى منطق السوق.
لكن منطق السوق لا يعني ترك المواطن في مواجهة لوحات أسعار تتغير دون تفسير.
السوق الحرة تحتاج إلى منافسة حقيقية، وإلى شفافية في المعطيات، وإلى مراقبة مؤسساتية قادرة على كشف العلاقة بين الكلفة الحقيقية والسعر النهائي.
ومن هنا تأتي أهمية استحضار مجلس المنافسة في كل نقاش حول المحروقات.
فالمجلس ليس طرفاً سياسياً في الجدل، بل مؤسسة دستورية مهمتها مراقبة شروط المنافسة.
وحين يقر المجلس نفسه بالحاجة إلى تتبع العلاقة بين الأسعار الدولية والأسعار المطبقة وطنياً، فهذا يعني أن الملف أكبر من مجرد تبريرات تقنية تقدمها الشركات أو الحكومة عند كل موجة ارتفاع أو انخفاض.
المواطن المغربي لا يطلب معادلة نفطية معقدة، بل يطلب وضوحاً. يريد أن يعرف لماذا ينعكس الارتفاع بسرعة، بينما يبدو الانخفاض أبطأ وأكثر تحفظاً.
ويريد أن يعرف هل الضرائب هي السبب، أم هوامش التوزيع، أم المخزون، أم ضعف المنافسة، أم أن الأمر مزيج من كل ذلك.
اليوم، ومع عودة الحديث دولياً عن تراجع أسعار النفط واحتمال توسع الإمدادات، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كان العالم يتجه نحو نفط أرخص نسبياً، فهل سيصل هذا الأثر إلى جيب المغاربة؟ أم سيظل الانخفاض يضيع في الطريق بين السوق الدولية ومحطة الوقود؟
الجواب لا يجب أن يبقى رهين البلاغات العامة. المطلوب هو نشر معطيات أوضح حول تركيبة السعر، وتحيين تقارير تتبع السوق، وتفسير الفارق بين السعر الدولي وسعر البيع للعموم، حتى لا يبقى المواطن أمام شعور دائم بأن السوق تتحرك بسرعة حين يتعلق الأمر بالزيادة، وببطء شديد حين يتعلق الأمر بالتخفيض.
لا تكمن أهمية تقرير وكالة الطاقة الدولية فقط في أرقامه العالمية، بل في السؤال المغربي الذي يطرحه من جديد: حين يهبط النفط في العالم، من يضمن أن يصل الانخفاض إلى جيب المواطن داخل المغرب؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لسوق المحروقات بعد التحرير: ليس فقط أن تتحرك الأسعار، بل أن تتحرك بعدالة وشفافية وتنافسية، وأن يشعر المواطن بأن انخفاضات السوق الدولية لا تتوقف في منتصف الطريق قبل أن تصل إلى محطة الوقود.
