يتقدم المغرب في السنوات الأخيرة كأحد الفاعلين الصاعدين في مجال الطاقات المتجددة، مستنداً إلى موقع جغرافي يمنحه إمكانات شمسية وريحية مهمة، وإلى رهان استراتيجي على تعزيز مكانته كشريك طاقي قريب من أوروبا.
غير أن هذا الصعود، رغم أهميته الاقتصادية والجيوسياسية، لا يخلو من مفارقة لافتة: فبين صورة “المغرب الأخضر” التي تتسع في التقارير الدولية، واستمرار اعتماد المنظومة الكهربائية الوطنية على الفحم، يبرز سؤال أعمق حول طبيعة هذا التحول ومن يستفيد منه فعلياً.
فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بإنتاج الكهرباء النظيفة أو جذب الاستثمارات الكبرى في الهيدروجين الأخضر، بل بقدرة المغرب على تحويل هذا الورش إلى مكسب داخلي ملموس، ينعكس على الأمن الطاقي، وكلفة الإنتاج، وفاتورة الاستهلاك، وموقع الصناعة الوطنية.
لذلك، فإن النقاش الحقيقي لا يبدأ من حجم المشاريع المعلنة، بل من السؤال السياسي والاقتصادي الذي تطرحه: هل يبني المغرب انتقالاً طاقياً يخدم الداخل أولاً، أم يتحول تدريجياً إلى منصة خضراء موجهة نحو حاجيات أوروبا؟
هذا السؤال عاد إلى الواجهة بعد تقرير نشرته صحيفة AS الإسبانية، اليوم 18 يونيو 2026، قدم المغرب كبلد يرسخ موقعه في صناعة الطاقات المتجددة، مستنداً إلى مشاريع شمسية وريحية، وإلى مؤهلات طبيعية وبنية تحتية تجعل المملكة مرشحة للعب دور أكبر في سوق الطاقة النظيفة.
غير أن أهمية التقرير لا تكمن فقط في صورته الإيجابية عن المغرب، بل في المفارقة التي وضعها أمام القارئ: بلد يضاعف رهانه على الطاقة الخضراء، لكنه ما زال يعتمد على الفحم في جزء مهم من إنتاج الكهرباء.
هذه المفارقة هي جوهر الملف، فالمغرب الذي يملك آلاف الساعات من الشمس سنوياً، وممرات ريحية قوية، وموقعاً استراتيجياً بين إفريقيا وأوروبا، لم يعد يتعامل مع الطاقة المتجددة كاختيار بيئي فقط، بل كورقة اقتصادية وسيادية.
أوروبا، التي تبحث عن مصادر طاقة نظيفة وقريبة ومستقرة، تنظر إلى الضفة الجنوبية للمتوسط باعتبارها مجالاً ممكناً لتأمين جزء من حاجياتها المستقبلية.
والمغرب، من جهته، يحاول تقديم نفسه كشريك قادر على إنتاج الكهرباء الخضراء، والهيدروجين الأخضر، ومشتقاته الصناعية.
لكن زاوية CrashSiyasi لا تقف عند سؤال كيف يرى الخارج المغرب، بل عند سؤال كيف يرى المغربي هذا التحول من داخل فاتورته اليومية.
فحين يتحدث العالم عن المغرب كمنصة واعدة للطاقة النظيفة، يحق للمواطن أن يسأل: هل ستنعكس هذه الثورة على كلفة الكهرباء؟ هل ستخفف الضغط عن المقاولات؟ هل ستخلق قيمة مضافة وطنية حقيقية؟ أم أن صورة المغرب الأخضر في الخارج تتقدم بوتيرة أسرع من أثرها الملموس في الداخل، حيث ما تزال أسئلة الفحم والكلفة والتبعية الطاقية مطروحة بقوة؟
الأرقام تكشف أن الطموح كبير فالمغرب يضع ضمن أهدافه رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المائة من القدرة الكهربائية المركبة في أفق 2030، وهو هدف يمنح البلاد موقعاً متقدماً إقليمياً إذا تحقق بالشكل المطلوب.
كما أن المشاريع المرتبطة بالهيدروجين الأخضر فتحت شهية المستثمرين الدوليين، خاصة بعد الإعلان عن مشاريع ضخمة موجهة لإنتاج الأمونيا، والفولاذ، والوقود الصناعي، بما يجعل الطاقة النظيفة جزءاً من معادلة صناعية وتجارية أوسع.
غير أن قوة الأرقام لا تلغي صعوبة الأسئلة، فالهيدروجين الأخضر، مثلاً، ليس مجرد شعار مستقبلي، بل قطاع يحتاج إلى ماء، وكهرباء متجددة، وتمويل، وموانئ، وشبكات نقل، وقواعد تنظيمية، وضمانات تعاقدية.
وإذا لم يتم تدبير هذا الورش بمنطق المصلحة الوطنية الواسعة، فقد يتحول من فرصة استراتيجية إلى مجال جديد تتركز فيه القيمة لدى فاعلين كبار، بينما تبقى المنافع الاجتماعية والاقتصادية محدودة الأثر على المواطن والمقاولة الصغيرة والمتوسطة.
الأمر نفسه ينطبق على الفحم، فاستمرار حضوره القوي داخل مزيج الكهرباء يعني أن الانتقال الطاقي لم يكتمل بعد، وأن الطريق نحو اقتصاد منخفض الكربون لا يزال طويلاً ومكلفاً. الفحم ليس مجرد مصدر لإنتاج الكهرباء، بل عنوان لتبعية خارجية، وكلفة بيئية، وضغط على الالتزامات المناخية، وعلى صورة المغرب كبلد يريد أن يقود جزءاً من التحول الأخضر في المنطقة.
لذلك، يصبح السؤال أكثر حساسية: كيف يمكن للمغرب أن يتحول إلى شريك أخضر لأوروبا قبل أن ينجح في تقليص أثر الفحم داخلياً؟
هذه ليست دعوة إلى التقليل من أهمية ما تحقق فالمغرب راكم خلال السنوات الماضية حضوراً واضحاً في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، ونجح في بناء صورة دولية مرتبطة بالاستثمار الأخضر والانتقال الطاقي.
لكن القراءة المهنية تفرض التمييز بين الصورة والنتيجة، بين القدرة المركبة والكهرباء المستهلكة، وبين الإعلان عن المشاريع وقياس أثرها على الاقتصاد الوطني.
فالانتقال الطاقي لا يكتمل حين يتحول إلى مادة للتسويق الخارجي، بل حين يصبح جزءاً من العدالة الاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد.
والأهم أن الطاقة لم تعد ملفاً تقنياً يخص المهندسين والقطاع الخاص فقط.
إنها اليوم ملف سيادة من يملك الطاقة يملك جزءاً من قراره الاقتصادي ومن يقلص تبعيته للمصادر المستوردة يخفف الضغط على ميزانه التجاري ومن ينجح في خفض كلفة الإنتاج يمنح صناعته قدرة أكبر على المنافسة.
لذلك، فإن رهان المغرب على الطاقات المتجددة يجب أن يقرأ في علاقته بالصناعة، والفلاحة، والنقل، والموانئ، والماء، والتشغيل، وليس فقط في علاقته بصورة البلاد في تقارير الخارج.
هنا تحديداً تكمن الزاوية السياسية للموضوع فالمغرب لا يحتاج فقط إلى مشاريع كبرى في الطاقة، بل إلى جواب عمومي واضح حول توزيع مكاسب هذا التحول.
هل ستتحول الطاقة النظيفة إلى رافعة لتقوية السيادة الصناعية؟ هل ستفيد الجهات التي تحتضن المشاريع الكبرى؟ هل ستساهم في خلق فرص شغل نوعية؟ هل ستخفف فاتورة الاستيراد؟ وهل ستمنح المواطن والمقاولة شعوراً بأن التحول الأخضر ليس مشروعاً موجهاً للخارج فقط، بل ورشاً وطنياً له أثر داخلي مباشر؟
إن التحول الطاقي الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الميغاواطات، ولا بحجم الاستثمارات المعلنة، ولا بعدد الشركاء الأجانب. يقاس أيضاً بمدى قدرة الدولة على تحويل الشمس والرياح إلى قيمة وطنية، وعلى جعل الطاقة النظيفة جزءاً من نموذج تنموي أكثر عدلاً ونجاعة. فالمغرب لا ينقصه الضوء الطبيعي، ولا الموقع، ولا الطموح، لكنه يحتاج إلى نقاش أكثر صراحة حول الكلفة، والحكامة، والمستفيدين، وموقع المواطن داخل هذه الثورة.
لذلك، فإن التقرير الإسباني، رغم لغته الإيجابية، يفتح سؤالاً مغربياً خالصاً: هل نحن أمام انتقال طاقي متوازن، أم أمام مفارقة عنوانها “المغرب الأخضر في الخارج والفحم في الداخل”؟ الجواب لن تحدده العناوين الدولية وحدها، بل ستحدده السنوات المقبلة من خلال قدرة المغرب على تقليص اعتماده على الفحم، وتوسيع أثر الطاقات المتجددة، وربط المشاريع الكبرى بمنفعة داخلية واضحة.
الخلاصة أن المغرب يقف أمام فرصة كبيرة، وربما أمام اختبار أكبر. الفرصة أن يصبح لاعباً طاقياً جديداً في جنوب المتوسط، والاختبار أن لا تتحول هذه المكانة إلى واجهة رمزية دون أثر اجتماعي واقتصادي كاف.
فالجواب الذي ينتظره المغاربة لا يتعلق فقط بقدرة البلاد على إنتاج الطاقة النظيفة، بل بمن سيستفيد منها فعلاً: الخارج الباحث عن طاقة خضراء، أم الداخل الذي ينتظر أن يرى أثر الشمس والرياح في فاتورته، وصناعته، وفرص شغله، وأمنه الطاقي؟
