بقلم: الباز عبدالإله
أفاد تقرير حديث صادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بأن القارة الإفريقية تشهد ارتفاعاً متسارعاً في درجات الحرارة بوتيرة تتجاوز المتوسط العالمي، في ظل تنامي تأثير الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة على السكان والاقتصادات والبنيات التحتية الحيوية في العديد من دول القارة.
وأوضح التقرير، المتعلق بحالة المناخ في إفريقيا خلال سنة 2025، أن الظواهر المناخية والمائية المتطرفة أثرت على ما لا يقل عن 13 مليون شخص خلال عام واحد، وأسفرت عن أكثر من 3000 حالة وفاة، بما يعكس حجم التحديات المتزايدة المرتبطة بموجات الحر والجفاف والفيضانات والاضطرابات المناخية المتكررة.
وأكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن إفريقيا تتحمل آثاراً متنامية لتغير المناخ، رغم محدودية مساهمتها في الانبعاثات العالمية مقارنة بالمناطق الصناعية الكبرى، مشيرة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الظواهر المناخية القصوى يستدعيان تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير الخدمات المناخية، ورفع قدرات الدول على التكيف مع المخاطر المستجدة.
ووفقاً للتقرير، تميزت سنة 2025 باستمرار التأثيرات المناخية الحادة في مناطق متعددة من القارة، حيث شهدت بعض المناطق فترات جفاف طويلة الأمد، في حين تعرضت مناطق أخرى لفيضانات مدمرة، الأمر الذي انعكس سلباً على الأمن الغذائي والموارد المائية والبنيات التحتية والصحة العامة، لا سيما في الدول والمجتمعات الأكثر هشاشة.
ورغم أن التقرير يتناول الوضع المناخي في إفريقيا بشكل عام، فإن معطياته تكتسي أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، في ظل الضغوط المتزايدة على الموارد المائية، واستمرار فترات الجفاف، وتراجع انتظام التساقطات المطرية، إلى جانب ارتفاع الطلب على المياه في القطاعات الفلاحية والحضرية والاقتصادية.
وتشير البيانات المرفقة بالتقرير إلى أن المغرب سجل خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2024 سنوات متتالية من التساقطات الأقل من المعدل المعتاد، بما في ذلك السنة الهيدرولوجية 2023/2024 التي وُصفت بأنها الأكثر جفافاً ضمن الفترة المذكورة، وهو ما يعزز أهمية ملف المياه باعتباره أحد أبرز القضايا الاستراتيجية المطروحة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.
ويأتي نشر هذا التقرير في وقت يواصل فيه المغرب تنفيذ مجموعة من المشاريع الرامية إلى تعزيز الأمن المائي، من بينها تحلية مياه البحر، وتشييد السدود، والربط بين الأحواض المائية، وتحسين تدبير الموارد المائية، غير أن تسارع التغيرات المناخية يفرض، وفقاً لاستنتاجات التقرير، الانتقال من التدبير الظرفي للأزمات إلى اعتماد مقاربة مستدامة قائمة على التكيف والوقاية.
كما تؤكد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية على الأهمية المحورية لأنظمة الإنذار المبكر باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية للحد من الخسائر البشرية والاقتصادية الناجمة عن الكوارث المناخية، خاصة في قارة لا تزال فيها قدرات الرصد والتوقع والاستجابة متفاوتة بين الدول.
وبالنسبة للمغرب، يثير التقرير الأممي نقاشاً متجدداً حول مكانة الموارد المائية ضمن السياسات العمومية، ليس فقط باعتبارها مورداً طبيعياً أساسياً، بل أيضاً كعامل مؤثر في التنمية الفلاحية، واستقرار الأسعار، وجاذبية الاستثمار، والتماسك الاجتماعي، والتوازن المجالي.
وتتجلى أهمية هذا التقرير في كونه لا يقتصر على إطلاق تحذيرات عامة بشأن التغير المناخي، بل يبرز واقعاً جديداً تواجهه دول القارة، بما فيها المغرب، يتمثل في أن ندرة المياه واضطراب أنماط التساقطات أصبحا تحديين قائمين يتطلبان قرارات أكثر سرعة وفعالية، وتخطيطاً استراتيجياً أدق، وحكامة أكثر كفاءة في إدارة الموارد المائية.
ويخلص التقرير إلى أن إفريقيا بحاجة إلى تعزيز الاستثمارات في مجالات التكيف المناخي، وأنظمة الإنذار المبكر، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وهي توصيات تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للمغرب في ظل التحولات المناخية المتسارعة وتأثيراتها المتزايدة على الموارد المائية والقطاع الفلاحي والمجالات الحضرية والقروية على حد سواء.
