بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن حزب الاستقلال في حاجة إلى بلاغ طويل كي يقول إنه ضد العودة إلى صندوق المقاصة.
فهذا موقف يمكن الدفاع عنه اقتصادياً ومالياً، ويمكن شرحه للرأي العام دون ارتباك.
المشكلة ليست هنا.
المشكلة أن الحزب وجد نفسه، بعد التصويت ضد مقترح تسقيف أسعار المحروقات، أمام سؤال سياسي أثقل من كل التبريرات التقنية: كيف لحزب يحمل في ذاكرته خطاب العدالة الاجتماعية، ويتحدث باسم الفئات المتوسطة والهشة، أن يظهر في لحظة حساسة وكأنه يصوت ضد إجراء قُدِّم للرأي العام باعتباره محاولة لحماية جيوب المواطنين من نار المحروقات؟
التوضيح الذي خرج به الحزب يحاول أن يرسم خطاً فاصلاً بين تسقيف أسعار المحروقات وتسقيف هوامش أرباح الشركات.
وهذا التمييز صحيح من الناحية الاقتصادية، لكنه لا يكفي سياسياً. لأن المواطن لا يقرأ البلاغات بمنطق المختبرات المالية، بل يقرأها من داخل محطة الوقود، ومن داخل كلفة النقل، ومن داخل سوق ارتفعت فيه كلفة كل شيء.
حين يصعد ثمن الغازوال والبنزين، لا يسأل المواطن عن الفارق النظري بين السعر والهامش، بل يسأل: من يحميني؟ ومن يقف مع قدرتي الشرائية؟ ومن يترك السوق يفعل بي ما يشاء؟
كان بإمكان حزب الاستقلال أن يقول منذ البداية: نحن نرفض تسقيف الأسعار بصيغته الحالية، لكننا نضع على الطاولة مقترحاً بديلاً لتسقيف هوامش الربح، ونطالب بنشر بنية الأسعار، وتحديد هامش أقصى، وتفعيل مراقبة شهرية، وفرض عقوبات صارمة على أي ممارسات غير مشروعة أو أرباح مفرطة.
لو فعل ذلك، لكان النقاش مختلفاً، أما أن يصوت ضد المقترح، ثم يخرج بعد التصويت ليشرح أن موقفه الحقيقي هو تسقيف الأرباح لا الأسعار، فذلك يشبه محاولة إغلاق باب سياسي بعدما خرج منه الغبار إلى الشارع.
الأخطر في بلاغ الحزب أنه حاول أن يحوّل النقاش من مسؤولية الحاضر إلى ذاكرة الماضي.
صحيح أن تحرير أسعار المحروقات لم يبدأ اليوم، وصحيح أن أطرافاً سياسية أخرى تتحمل مسؤولية تاريخية في رفع الدعم دون بناء آليات كافية لحماية المستهلك.
لكن حزب الاستقلال اليوم ليس مجرد شاهد في المدرجات، وليس حزباً معارضاً يكتفي بتسجيل الملاحظات.
إنه جزء من الأغلبية، وله موقع داخل القرار العمومي، وله ذراع نقابي داخل مجلس المستشارين، وله وزراء ومسؤولون ومؤسسات.
لذلك لا يكفي أن يقول للناس: الآخرون حرروا الأسعار السؤال الأكثر إحراجاً هو: وأنتم ماذا فعلتم بعدما أصبحتم داخل السلطة؟
البلاغ تحدث عن رفض المقاصة وكأن كل من يطالب بتدخل الدولة يريد بالضرورة العودة إلى دعم شامل يستفيد منه الغني قبل الفقير.
هذا تبسيط مريح، لكنه لا يجيب عن جوهر الأزمة، بين المقاصة العمياء والتحرير المتوحش توجد مساحة واسعة اسمها التنظيم، والمراقبة، والشفافية، وضبط الهوامش، وتفكيك الممارسات التي تضع المواطن في مواجهة سوق لا يفهم كيف تُحدد أسعارها. وحين يكون ملف المحروقات قد مر سابقاً من أمام مجلس المنافسة، تصبح الإحالة على “تقلبات السوق الدولية” وحدها غير كافية لإقناع الرأي العام.
المواطن المغربي لم يعد يقبل الخطاب الذي يختبئ خلف النفط العالمي كلما ارتفعت الأسعار، ثم يصمت حين تنخفض الأسعار الدولية ولا يظهر أثر الانخفاض بالسرعة نفسها في المحطات.
لم يعد يقبل أن تتحول السوق إلى قدر لا يُناقش، وأن تصبح المنافسة شعاراً جميلاً بينما الهوامش الحقيقية تبقى في منطقة الظل.
لذلك كان المطلوب من حزب الاستقلال، إذا كان فعلاً مع تسقيف هوامش الربح، أن يذهب إلى المعركة التشريعية لا إلى معركة التبرير الإعلامي.
أما الحديث عن “الحملة المسعورة” و”النفاق السياسي”، فهو قد ينفع في لغة المقرات الحزبية، لكنه لا ينفع أمام سؤال اجتماعي حارق.
فالأحزاب لا تُحاسَب فقط على نواياها ولا على بلاغاتها، بل على لحظة رفع اليد داخل المؤسسة التشريعية.
هناك، في التصويت، تتعرى المواقف وهناك لا يعود ممكناً تغليف القرار بكلمات كبيرة من قبيل المسؤولية الوطنية والمصلحة العليا والخيارات الاستراتيجية.
كل هذه العبارات تصبح بلا وزن إذا لم تقترن بإجراء واضح يحمي المستهلك ويحد من تغول الهوامش.
حزب الاستقلال يقول إنه لا يريد أن تتحول قضايا المواطنين إلى مزايدة انتخابية، كلام جميل، لكن ما الذي يجعل المواطن يصدق ذلك إذا كان التوضيح لا يعلن أي التزام تشريعي محدد؟ أين مقترح الحزب لتسقيف هوامش الربح؟ أين جدولة عرضه؟ أين آلية المراقبة؟ أين مطلب نشر المعطيات؟ أين الضغط السياسي على الحكومة لإخراج مرسوم أو قانون يضع حداً للربح المفرط؟ لا يكفي أن تقول إنك ضد الجشع السياسة ليست بيان نوايا. السياسة فعل، وتاريخ، وتصويت، وتكلفة.
اللافت أن هذا التوضيح خرج في لحظة انتخابية قريبة، حيث أصبحت كلفة المواقف الاجتماعية أعلى من السابق.
فالحزب الذي اعتاد تقديم نفسه وريثاً لخطاب اجتماعي وطني يجد نفسه اليوم أمام خصوم سيستعملون هذا التصويت كسلاح انتخابي جاهز.
وسيكون من الصعب إقناع المواطنين بأن التصويت ضد تسقيف الأسعار كان في عمقه دفاعاً عنهم، ما داموا لم يروا بعد بديلاً عملياً يحمل توقيع الحزب نفسه.
ربما كان حزب الاستقلال محقاً في رفض العودة إلى المقاصة. وربما كان محقاً في التحذير من قرارات إدارية قد تربك التزويد أو تثقل الميزانية.
لكن السياسة لا تُقاس فقط بصحة بعض الحجج، بل بقدرة الحزب على أن يكون واضحاً في اللحظة المناسبة.
وهنا بالضبط جاءت الضربة: الحزب لم يخسر النقاش لأنه يرفض المقاصة، بل خسره لأنه ترك الانطباع بأنه يرفض التسقيف قبل أن يقدم البديل.
المواطن لا ينتظر من الأحزاب دروساً طويلة في الاقتصاد، بل ينتظر جواباً بسيطاً على سؤال بسيط: من يضمن ألا تتحول كلفة المحروقات إلى ضغط يومي غير معلن على جيوب المغاربة؟ ومن يضمن أن الأرباح لا تتوسع كلما ضاقت القدرة الشرائية؟ ومن يجرؤ على فتح علبة الأرقام بدل فتح قاموس التبريرات؟
بلاغ الاستقلال حاول أن يسقّف الضرر، لا الأسعار حاول أن يطفئ الغضب، لا أن يضيء الطريق.
وحين يصبح الحزب مضطراً إلى شرح موقفه بعد أن فهمه الشارع ضده، فذلك يعني أن المشكلة لم تعد في خصومه فقط، بل في الرسالة التي أرسلها هو بنفسه.
لقد كان المطلوب موقفاً أوضح: لا للمقاصة، نعم لتسقيف الهوامش، نعم للشفافية، نعم للمراقبة، نعم لقانون بديل فوراً.
غير ذلك سيبقى مجرد بلاغ انتخابي بلباس اقتصادي، ومحاولة متأخرة لتجميل تصويت صعب في ملف يعرف حزب الاستقلال جيداً أنه لن يغادر ذاكرة الناخبين بسهولة.
