لم يعد ملف العقار العمومي في جماعة آيت ملول شأناً تقنياً محصوراً بين مكاتب التعمير ورخص البناء وتصاميم التهيئة. فالمعطيات التي نشرتها جريدة “الأخبار”، استناداً إلى تقرير للمجلس الجهوي للحسابات بجهة سوس ماسة، تفتح سؤالاً أوسع حول طريقة تدبير الملك العمومي، وحدود سلطة الجماعة في الترخيص والتسوية، ومدى قدرة مؤسسات الرقابة على حماية أملاك الدولة والطرق العمومية من منطق الأمر الواقع.
بحسب ما أوردته الجريدة، فإن الملف لا يتعلق بملاحظة إدارية عابرة، بل بمعطيات مرتبطة برخص تعمير، ومساحات عقارية، وتسويات، وبنايات قيل إنها أنجزت أو سويت في وضعيات تطرح أسئلة قانونية وتدبيرية حساسة.
لذلك، لا ينبغي التعامل مع الموضوع بلغة الاتهام المباشر أو الأحكام الجاهزة، بل باعتباره ملفاً رقابياً منشوراً يحتاج إلى توضيحات رسمية من الجهات المعنية.
هذه الإشارة ضرورية، لأننا لسنا أمام حكم قضائي نهائي، بل أمام معطيات صحفية منسوبة إلى تقرير رقابي.
لذلك، فإن النقاش المهني لا ينبغي أن ينطلق من عبارات من قبيل “ثبت” أو “أدين”، بل من سؤال واضح: هل احترمت جماعة آيت ملول القواعد القانونية والوثائق التعميرية عند منح الرخص وتسوية بعض البنايات المرتبطة بعقارات في ملكية الدولة وطرق عمومية؟
حسب ما أوردته جريدة “الأخبار”، تعود بداية الملف إلى سنة 2016، حين رخصت جماعة آيت ملول، بموجب الرخصتين 840 و843، لإحداث منطقة أنشطة ومحطة خدمات فوق عقارين مستخرجين من أملاك الدولة.
وتقول الجريدة إن العقارين يطلان على الطريق AT13، بعرض مبرمج يبلغ 80 متراً، وتفصل بينهما الطريق AT04، بعرض 50 متراً، غير أن الجزء المعبد من الطريق لم يكن يتجاوز حوالي 10 أمتار، ما خلق فجوة بين المشروعين والطريق المعبدة.
المعطى الأكثر حساسية، وفق المصدر ذاته، أن صاحب المشروعين قام بتهيئة القطعة المتبقية بأكملها لتوفير منفذ للمشروعين واستعمالها كموقف للسيارات، رغم أن التصميم المعماري كان يشير إلى وجود مواقف خارج حدود الوعاء العقاري.
وتضيف الجريدة أن ذلك ترتب عنه استغلال أزيد من 20 ألف متر مربع فوق الملك الخاص للدولة دون سند قانوني.
هنا لا يعود الملف مجرد خلاف إداري حول تصميم أو رخصة. عندما يتعلق الأمر بعقار تابع للدولة، أو بطريق عمومية مبرمجة في وثائق التعمير، فإن كل متر مربع يصبح جزءاً من المصلحة العامة.
والجماعة، التي يفترض أن تكون أول حارس للقانون داخل ترابها، تصبح مطالبة بتفسير كيف يمكن أن تصدر رخص مرتبطة بمشاريع يطرح وعاؤها العقاري ومنافذها ومواقفها كل هذه الأسئلة.
وتفيد المعطيات المنشورة كذلك بأن الجماعة رخصت، خلال سنة 2023، لإنجاز وحدة صناعية بمحاذاة العقار الذي يحتضن منطقة الأنشطة، رغم أن التصاميم، حسب جريدة “الأخبار”، كانت تشير إلى تمديد الموقف الشمالي للمشروع من الجهة الموالية للوحدة الصناعية لتوفير مدخل لها. وهذا ما يجعل الملف ينتقل من واقعة معزولة إلى نمط تدبير يحتاج إلى جواب رسمي واضح.
ــــ
حين تسبق البناية المسطرة، وحين تأتي الرخصة لتطوي الأمر الواقع، لا يصبح السؤال عن الإسمنت فقط، بل عن هيبة القانون داخل الجماعة
ــــ
الأكثر حساسية في الملف يرتبط بما وصفته الجريدة بتسوية بنايات غير قانونية. فقد أوردت أن رئيس جماعة آيت ملول أصدر قراراً يحمل رقم RGL-CLLL-7/2025 بتاريخ 8 ماي 2025، من أجل تسوية وضعية بنايات، من بينها مخزن أحدث دون رخصة كملاحق ضمن مشروع خاص بوحدة للتبريد.
وتقول المعطيات المنشورة إن الصور الجوية أظهرت أن المخزن بني بين سنتي 2021 و2022، في ظل تصميم تهيئة سابق، وأنه يتقاطع مع الوعاء العقاري لمدخل الطريق 14AT.
وتضيف الجريدة أن الطريق المذكورة جرى تغيير مسارها لاحقاً وأصبحت تحمل رقم 558AT، غير أن التصميم الجديد حافظ على نفس المدخل الذي بني عليه المخزن.
وإذا صح هذا المعطى، فإن السؤال يصبح أكثر حدة: هل يمكن تسوية بناية قائمة فوق عقار مرتبط بمدخل طريق مبرمجة؟ وهل يملك القرار الجماعي سلطة تجاوز مقتضيات وثائق التعمير قبل أن تنتج التغييرات آثارها القانونية؟
المصدر نفسه أشار إلى أن الجماعة اعتمدت تغيير تخطيط الطريق 558AT من أجل الترخيص، قبل أن يكون هذا التغيير منتجاً لأي أثر قانوني، لأنه لم يكن قد صودق عليه بعد من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالتعمير. وهذه نقطة مركزية في الملف، لأنها تمس جوهر علاقة الجماعة بوثائق التعمير: هل تخضع الرخصة للتصميم، أم يصبح التصميم نفسه قابلاً للتكييف مع مشروع قائم؟
ويزداد سؤال آيت ملول حساسية حين نستحضر التصريح المنسوب إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، خلال مناقشة الميزانية الفرعية لوزارة الداخلية، عندما وجّه رسالة صارمة بخصوص الأراضي والأموال التي لا يستحقها أصحابها، قائلاً: “اللي دا شي أرض ولا درهم ماشي من حقو، يردها” عبارة تبدو اليوم أكثر من مجرد تحذير سياسي عام، لأنها تضع وزارة الداخلية أمام اختبار عملي: هل تتحول حماية أملاك الدولة والطرق العمومية من خطاب داخل البرلمان إلى إجراء واضح حين يتعلق الأمر برخص وتسويات تثير كل هذه الأسئلة؟
لا يمكن فصل هذه المعطيات عن سؤال المساواة أمام الإدارة. فالمواطن العادي، حين يخالف ضوابط البناء أو يتجاوز حدود الرخصة، يجد نفسه أمام الإنذار والهدم والمتابعة.
أما حين يتعلق الأمر بمشاريع ذات وزن اقتصادي أو سياسي، فإن أي انطباع بوجود مرونة خاصة يضرب الثقة في الإدارة، ويجعل القانون يبدو صارماً مع الضعفاء، وقابلاً للتأويل مع الأقوياء.
لهذا، لا يكفي أن يظل الملف حبيس مقال صحفي أو ملاحظة رقابية.
المطلوب اليوم جواب رسمي من جماعة آيت ملول، ومن سلطات التعمير، ومن مصالح أملاك الدولة، حول طبيعة الرخص الممنوحة، ووضعية العقارات المعنية، ومدى قانونية التسويات، وما إذا كانت الملاحظات المنشورة قد ترتبت عنها إجراءات تصحيحية.
قيمة هذا الملف أنه يكشف مفارقة حساسة في تدبير الشأن المحلي. الدولة تطالب المواطن باحترام القانون، والجماعات تطالب السكان باحترام رخص البناء والتعمير، لكن الدولة نفسها مطالبة بأن تثبت أن أملاكها وطرقها ووثائقها التعميرية لا يمكن أن تتحول إلى مجال رمادي تستقر فيه المشاريع أولاً، ثم تبحث لاحقاً عن التسوية.
آيت ملول اليوم ليست وحدها أمام السؤال، كل جماعة ترابية معنية بهذا الامتحان.
فالتنمية لا تعني غض الطرف عن القواعد، والاستثمار لا يمكن أن يكون مبرراً لتطويع الملك العمومي، والرخصة لا ينبغي أن تصبح غطاءً إدارياً لما كان يجب منعه أو تصحيحه منذ البداية.
الخلاصة أن الملف، كما نشرته جريدة “الأخبار”، يضع جماعة آيت ملول أمام امتحان الشفافية.
من رخص؟ من راقب؟ من قبل بالتسوية؟ ومن يضمن ألا تتحول وثائق التعمير من قانون منظم للمدينة إلى أداة لتبرير الأمر الواقع؟
الجواب لم يعد إدارياً فقط. إنه سياسي ومؤسساتي أيضاً. لأن حماية العقار العمومي ليست تفصيلاً في دفتر الرخص، بل عنوان من عناوين هيبة الدولة.
وحين يصبح الملك العام موضوع تسوية أو تأويل، فإن السؤال لا يخص آيت ملول وحدها، بل يخص ثقة المواطن في أن القانون ما زال قادراً على الوقوف في وجه النفوذ، أياً كان اسمه أو موقعه.
