فتحت النائبة البرلمانية فاطمة الزهراء التامني واجهة سياسية جديدة في النقاش الدائر حول أداء بعض أعضاء الحكومة، بعدما ربطت، في تدوينة على صفحتها بموقع فايسبوك، بين ما اعتبرته تحركات ذات طابع انتخابي مبكر، وبين خطاب حكومي يكثر من الحديث عن “كرامة المواطن” دون أن يترجم ذلك، في نظرها، إلى إجراءات ملموسة تحمي القدرة الشرائية للمغاربة.
ووجهت التامني انتقادها إلى أعضاء في الحكومة، مشيرة إلى وزيرة التعمير ووزير التجهيز، في سياق حديثها عن الحملات الانتخابية قبل الأوان، معتبرة أن استعمال مفردات من قبيل الكرامة والتوازنات المالية لم يعد مقنعاً أمام واقع اجتماعي يزداد ضغطاً على الأسر، بفعل ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتراجع قدرة المواطنين على مسايرة كلفة المعيشة.
وسألت التامني، بنبرة حادة، عن أي كرامة يمكن الحديث عنها حين يؤدي المواطن أثماناً مرتفعة للمواد الأساسية دون حماية كافية، وعن أي توازنات مالية يمكن التذرع بها حين تتحول هذه التوازنات، في نظرها، إلى عبء مباشر على جيوب المغاربة. فالنقاش، كما قدمته، لم يعد تقنياً ولا حسابياً فقط، بل صار سؤالاً سياسياً وأخلاقياً حول موقع المواطن داخل اختيارات الحكومة.
وتوقفت التدوينة عند التناقض بين الخطاب والممارسة، معتبرة أن الحديث عن “كرامة المواطن” يصبح حاضراً بقوة حين تشتغل الكاميرات وتعلو الخطب، لكنه يتراجع حين تُطرح إجراءات عملية لحماية المغاربة من الغلاء. وبهذا المعنى، انتقدت التامني ما وصفته بسقوط الأقنعة عندما ينتقل النقاش من الشعارات إلى القرارات.
وترى التامني أن الكرامة التي تتحدث عنها الحكومة لا يجدها المواطن في الأسواق، ولا يلمسها المتقاعدون في معاشاتهم، ولا يشعر بها الأجراء الذين يلاحقون الأسعار كل يوم دون أن يتمكنوا من اللحاق بها. فالكرامة، وفق مضمون التدوينة، ليست كلمة تُستعمل في المناسبات السياسية، بل موقف واضح من الاحتكار والمضاربة والجشع، وانحياز فعلي للفئات التي تضررت من موجات الغلاء.
ولم يقف الانتقاد عند حدود الأسعار، بل امتد إلى طريقة تدبير الخطاب السياسي نفسه. فقد اعتبرت التامني أن الحكومة تتقن صناعة الشعارات أكثر مما تتقن صناعة الحلول، وتتحدث باسم المواطن في الخطب، لكنها لا تنحاز إليه عندما يتعلق الأمر بمقترحات أو إجراءات تروم التخفيف من معاناته اليومية.
وتحمل تدوينة التامني رسالة سياسية واضحة مفادها أن استعمال كلمة “الكرامة” لم يعد كافياً لتغطية اختلالات الواقع الاجتماعي. فالمواطن، بحسب هذا المنطق، لا يحتاج إلى بلاغات مطمئنة بقدر ما يحتاج إلى سياسات عمومية تحمي دخله، وتضبط الأسعار، وتواجه المضاربة، وتضع حداً لفجوة آخذة في الاتساع بين الخطاب الرسمي واليومي المعيشي.
كما أن الإشارة إلى الحملات الانتخابية قبل الأوان تضيف بعداً آخر للانتقاد، لأنها تضع تحركات بعض أعضاء الحكومة أمام سؤال الشرعية السياسية والأخلاقية: هل يتعلق الأمر بتواصل حكومي طبيعي، أم بتسخين انتخابي مبكر يستعمل لغة اجتماعية في لحظة يعرف فيها المواطن ضغطاً معيشياً متزايداً؟
وبين “الكرامة” كشعار و”القدرة الشرائية” كاختبار يومي، تبدو رسالة التامني موجهة إلى الحكومة قبل غيرها: لا يمكن الحديث باسم المواطن ثم الوقوف ضد ما يعتبره حماية لجيبه، ولا يمكن رفع عناوين اجتماعية في المنابر، ثم الاحتماء بالتوازنات المالية كلما تعلق الأمر بإجراءات تمس حياة الناس مباشرة.
وتبقى كرامة المواطن معياراً عملياً لا شعاراً سياسياً. فهي لا تُقاس بكثافة حضورها في الخطب والتصريحات، بل بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للمغاربة، داخل الأسواق، وفي الأجور، والمعاشات، وكلفة العيش. ومن ثم، فإن أي خطاب حكومي يستحضر الكرامة يظل محدود الأثر ما لم يسنده توجه واضح لحماية القدرة الشرائية، وضبط الاختلالات التي تغذي الغلاء، والانحياز إلى الفئات التي تتحمل كلفة الأزمة في صمت.
