لم يكن صدور الأحكام في ملف “إسكوبار الصحراء” مجرد محطة قضائية في واحد من أكثر الملفات إثارة خلال السنوات الأخيرة، بل تحول إلى لحظة سياسية ثقيلة أعادت طرح السؤال المؤجل حول علاقة الفساد الكبير بالسياسة، وحول قدرة الأحزاب والمؤسسات المنتخبة على حماية المجال العام من الاختراق بالمال والنفوذ والشبكات الرمادية.
فالقضية، كما بدت بعد النطق بالأحكام، لم تقف عند حدود أسماء مدانة في ملف جنائي، بل وضعت واجهة السياسة نفسها تحت الضغط.
ذلك أن بعض أبرز المدانين، كما جاء في قراءة الكاتب والباحث إدريس الكنبوري، يتحركون بين برلماني وبرلماني سابق ورئيس جهة وأعضاء بارزين في أحزاب سياسية، بما يجعل الملف أوسع من سقوط أفراد، وأقرب إلى محاكمة غير مباشرة لطريقة إنتاج النخب داخل المشهد السياسي.
وفي تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، كتب إدريس الكنبوري:
“انتهى ملف اسكوبار الصحراء أول أمس بصدور الأحكام، ولكن الخلاصة الأهم أن المدانين الكبار يترددون بين برلماني وبرلماني سابق ورئيس جهة، وأعضاء بارزين في أحزاب سياسية.
هذه الأحكام هي إدانة للسياسة في المغرب، السياسة التي تفرخ الفساد وتغطي عليه وتمنحه الحصانة، السياسة التي يخرج منها تاجر المخدرات والمهرب وتجار البشر.
قلما تجد فسادا من العيار الثقيل ليس وراءه رجل سياسة أو منتخب في جل الملفات التي نظر فيها القضاء في السنوات الأخيرة.
ولكن اعتقال الفاسدين ليس اعتقالا للفساد، الفساد حر طليق والفاسدون في السجون.
وحتى لو استمر اعتقال الفاسدين وبقي الفساد خارج السجن فلن يكون هناك إصلاح، وطالما لم يتغير مفهوم السياسة في المغرب ولا يتم ربط المسؤولية بالمحاسبة سيظل الفساد مستشريا.
في المغرب نحتاج إلى نصب كاميرات في كل مؤسسة كما يفعل التاجر البسيط وصاحب المقهى، الكاميرات الموجودة داخل المؤسسات وجدت لكي يراقب المسؤول الموظفين، لكن الذي يذهب إلى السجن بتهم الفساد هو المسؤول لا الموظف”.
تدوينة الكنبوري لا تتعامل مع الملف كواقعة معزولة، بل تضعه داخل سؤال بنيوي: هل تكفي محاكمة الفاسدين لإغلاق ملف الفساد؟ الجواب الذي تقترحه التدوينة واضح وحاد: لا. لأن اعتقال الأشخاص لا يعني بالضرورة تفكيك الشروط التي صنعتهم، ولا إسقاط الشبكات التي سمحت لهم بالصعود، ولا مراجعة القنوات التي منحتهم الشرعية والوجاهة والنفوذ.
بهذا المعنى، يصبح ملف “إسكوبار الصحراء” أكبر من أحكام قضائية.
إنه يكشف أن الفساد الكبير لا يتحرك دائماً بعيداً عن السياسة، بل قد يجد فيها ممراً، وغطاءً، وحصانة رمزية، وقدرة على الوصول إلى القرار.
وحين يصل الفاسد إلى موقع انتخابي أو حزبي، فإن الخطر لا يعود محصوراً في الجريمة وحدها، بل يمتد إلى صورة المؤسسات وثقة المواطنين في التمثيلية السياسية.
المشكل الحقيقي يبدأ قبل المحكمة، يبدأ حين تفشل الأحزاب في غربلة مرشحيها، يبدأ حين يصبح المال معياراً غير معلن للقوة الانتخابية، يبدأ حين تتحول التزكية إلى بوابة للنفوذ بدل أن تكون مسؤولية سياسية وأخلاقية، ويبدأ حين يصبح المنصب العمومي وسيلة حماية اجتماعية وسياسية لمن كان يفترض أن يخضع، قبل غيره، للمراقبة والمحاسبة.
لذلك، فإن ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يمكن أن يبقى شعاراً عاماً يرفع بعد انفجار الملفات. المحاسبة الحقيقية تبدأ قبل التزكية، وقبل الحملة، وقبل المقعد، وقبل تدبير المال العام، تبدأ من سؤال بسيط لكنه حاسم: من تسمح الأحزاب بوصوله إلى المؤسسات؟ وبأي معايير؟ وبأي رقابة؟ وبأي التزام أخلاقي تجاه المواطنين؟
قيمة كلام الكنبوري أنه يرفض الاكتفاء بالاحتفال بسقوط الفاسدين، وينبه إلى أن الفساد نفسه قد يبقى خارج السجن.
فقد تتغير الأسماء، وتصدر الأحكام، وتطوى الملفات، لكن المنظومة القادرة على إعادة إنتاج الوجوه نفسها بأشكال جديدة قد تبقى قائمة إذا لم يقع إصلاح جذري في مفهوم السياسة، وفي علاقة المال بالانتخابات، وفي آليات الرقابة داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
أما استعارة “الكاميرات” التي وردت في التدوينة، فهي ليست مجرد صورة ساخرة.
إنها تلخص مفارقة قاسية: المؤسسات تراقب غالباً الموظف الصغير، بينما الملفات الكبرى تكشف أن الخطر الحقيقي قد يكون أحياناً في موقع القرار، وفي من يملك سلطة التوقيع، والتدبير، والتزكية، والصفقة، والتأثير.
فالمطلوب ليس كاميرات تقنية فقط، بل كاميرات سياسية ومؤسساتية اسمها الشفافية، والتصريح بالممتلكات، ومراقبة تضارب المصالح، وتتبع المال الانتخابي، وافتـحاص الصفقات، وإعمال المحاسبة بلا انتقائية.
ملف “إسكوبار الصحراء” يجب ألا يتحول إلى خبر عابر ينتهي مع الأحكام.
قيمته السياسية تبدأ من الأسئلة التي يفرضها على المجال العام: كيف وصل هؤلاء إلى مواقعهم؟ من منحهم الغطاء؟ كيف تحرك المال والنفوذ داخل السياسة؟ ولماذا لا تتحرك آليات الوقاية إلا بعد أن تصبح الفضيحة أمام القضاء؟
القضاء قد يعاقب الأشخاص، لكن إصلاح السياسة يحتاج إلى ما هو أعمق من العقوبة.
يحتاج إلى أحزاب لا تفتح أبوابها للمال المشبوه، وإلى مؤسسات لا تنتظر الانفجار كي تراقب، وإلى ثقافة سياسية تعتبر المسؤولية تكليفاً لا حماية، وخدمة لا امتيازاً، ومحاسبة لا حصانة.
رسالة الكنبوري، في جوهرها، أن المغرب لا يحتاج فقط إلى سجون تتسع للفاسدين، بل يحتاج إلى سياسة لا تنتجهم. فالمعركة الحقيقية ليست ضد الأسماء بعد سقوطها فقط، بل ضد الشروط التي تصنعها، وتغطي عليها، وتمنحها واجهة انتخابية قبل أن تكشف الملفات أن الخلل كان أعمق من الأشخاص وأخطر من الأحكام.
