دخل المحامي محمد الهيني على خط التوتر المفتوح بين وزير العدل عبد اللطيف وهبي ونقيب هيئة المحامين بالرباط، الأستاذ عزيز رويبح، من خلال تدوينة حادة صاغها على شكل رسالة مفتوحة إلى وزير العدل، جاءت محمّلة بعبارات قوية، ودفاع واضح عن مكانة النقيب وهيبة مهنة المحاماة.
الهيني، الذي كتب رسالته بروح مواجهة مباشرة بين “الوزير والنقيب”، لم يتعامل مع الأمر باعتباره خلافاً شخصياً عابراً، بل قدمه كصدام رمزي بين منطق السلطة ومنطق المهنة، وبين مسؤول حكومي يستند إلى موقعه المؤسساتي، ونقيب يمثل هيئة عريقة داخل عاصمة المملكة.
وجاء في مستهل الرسالة أن وزير العدل، بحسب تعبير الهيني، “يستعلي بالمؤسسات”، و“يتدرع بوزارة للعدل”، قبل أن يوجه إليه خطاباً مباشراً بالقول إن النقيب الذي نال منه ليس رقماً عادياً داخل المهنة، بل شخصية جاءت بعد مسار طويل داخل هيئة المحامين بالرباط.
واستحضر الهيني، في دفاعه عن النقيب عزيز رويبح، رمزية هيئة الرباط وتاريخها، معتبراً أنها هيئة أنجبت أسماء وازنة من طينة عبد الرحيم بوعبيد، ومحمد بوستة، وعبد اللطيف كديرة، وأحمد رضى كديرة، ومحمد الصديقي، وعبد الهادي القباب، وعبد الرحمن بن عمر، وأحمد بنجلون.
ولم يكتف الهيني بالدفاع المؤسساتي عن النقيب، بل ذهب إلى تقديم صورة شخصية عنه، مؤكداً أنه “لم ينحن يوماً لمؤسسة طلباً لمنفعة، ولم يساوم على مبدأ من أجل صفقة، لا من تحت الطاولة ولا من فوقها”، قبل أن يضيف، وفق مضمون التدوينة، أن “نقيب العاصمة أكبر مما يتصور الوزير، وأنظف مما يتصور، وأكثر وطنية ووفاءً للعرش مما يخطر بباله”.
الجزء الأكثر حدة في التدوينة جاء حين وضع الهيني، على لسان الرسالة، مقارنة مباشرة بين موقع الوزير وموقع النقيب، قائلاً: “أنت وزير، وأنا نقيب”، وهي عبارة تختصر جوهر الرسالة، باعتبارها لا تنكر الصفة الحكومية لعبد اللطيف وهبي، لكنها في المقابل ترفض أن تتحول الوزارة إلى سلطة فوق المحاماة أو فوق كرامة النقباء.
كما توقفت الرسالة عند الأصل الاجتماعي والعائلي للنقيب عزيز رويبح، حيث قدمته باعتباره “بدوياً، أمازيغياً، مزابياً الأصل”، وابناً لضابط صف قضى حياته في الكتابة الخاصة للراحل الملك الحسن الثاني، في إشارة إلى أن دفاعه عن استقلال المحاماة لا ينفصل، حسب مضمون الرسالة، عن وفائه للدولة وتقاليدها ومؤسساتها.
وبلغة مشحونة بالرمزية، اعتبرت التدوينة أن النقيب يعرف “حدود السلطة وحدود المسؤولية”، وأنه ابن الدولة ونتاجها، في مقابل وزير قيل له إنه “يستقوي بالمخزن كما يتصوره في وهمه”، وهي عبارة تعكس مستوى الاحتقان الذي بلغه السجال بين الطرفين، وتكشف أن المعركة لم تعد فقط حول مشروع قانون أو تصريح عابر، بل حول معنى العلاقة بين وزارة العدل ومهنة المحاماة.
وختمت الرسالة بنبرة تصعيد واضحة، حين أكدت أن الإساءة إلى النقباء وكرامة المهنة لن تمر دون رد، وأن “للنقباء صبراً، لكن لهم أيضاً حدوداً إذا مُسّت كرامة المهنة ورجالها”، قبل أن تنتهي بعبارة ساخرة موجهة إلى وزير العدل: “زميلي المحترم… عفواً، سيدي الوزير العظيم”.
تدوينة الهيني، بما حملته من لغة مباشرة ورسائل رمزية، تعكس حجم الغضب داخل جزء من جسم المحاماة تجاه طريقة تدبير وزير العدل لعلاقته مع المهنة ومؤسساتها. كما تكشف أن الخلاف لم يعد محصوراً في نقاش تقني حول النصوص القانونية، بل تحول إلى معركة كرامة ومكانة بين وزارة تمارس السلطة التنفيذية، ومهنة تعتبر نفسها شريكاً أساسياً في العدالة، لا تابعاً إدارياً لها.
وبين “الوزير” و“النقيب”، كما صاغها الهيني، يبدو أن السؤال الأكبر لم يعد من يملك المنصب الأعلى، بل من يملك الشرعية الأخلاقية والمهنية للدفاع عن العدالة حين تتحول مؤسساتها إلى ساحة توتر مفتوح.
