بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد مشروع قانون مهنة المحاماة مجرد نص مهني يهم أصحاب البذلة السوداء، ولا خلافاً قطاعياً بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب.
فالطريقة التي خرج بها المشروع إلى واجهة النقاش العمومي حولته إلى اختبار سياسي وقانوني أوسع: كيف تُصاغ القوانين التي تمس العدالة؟ ومن يملك حق تعديل قواعد الدفاع؟ وهل يمكن الحديث عن محاكمة عادلة إذا شعر المحامي نفسه بأن استقلاله أصبح موضوع ضغط تشريعي؟
الندوة الصحفية التي احتضنتها دار المحامين بالدار البيضاء، اليوم الجمعة، كشفت أن العلاقة بين الحكومة وهيئات المحامين دخلت مرحلة توتر حاد.
فالحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، لم يتحدث بلغة احتجاج عادي، بل وصف طريقة إخراج مشروع القانون بأنها تمثل، حسب تعبيره، “عنفاً تشريعياً” غير مسبوق، معتبراً أن الحكومة سارعت إلى تمريره في “زمن قياسي”، دون احترام منهجية الحوار والتوافق التي طبعت مراحل إعداد المشروع.
هذا التوصيف لم يكن مجرد عبارة غاضبة، بل كان مدخلاً إلى اتهام سياسي واضح.
فالزياني اعتبر أن المشروع تحول إلى ما يشبه “صفقة سياسية” مرتبطة باقتراب نهاية الولاية الحكومية، بعدما تم، وفق قوله، التراجع عن توافقات جرى بناؤها خلال اجتماعات طويلة وماراثونية مع وزارة العدل.
وهنا لم يعد السؤال مرتبطاً فقط بمضمون القانون، بل بمنهجية إنتاجه: ما جدوى الحوار المؤسساتي إذا كانت مخرجاته قابلة للسقوط في اللحظة السياسية الأخيرة؟
القوة في موقف الزياني لا تكمن فقط في حدة العبارات، بل في محاولته نقل النقاش من خانة “مطالب المحامين” إلى خانة أوسع تتعلق بحقوق المواطنين.
فقد شدد على أن قانون المحاماة لا يهم المحامين وحدهم، بل يرتبط مباشرة بحقوق المتقاضين وضمانات المحاكمة العادلة، مؤكداً أن أي مساس باستقلالية المهنة ستكون له انعكاسات على منظومة العدالة برمتها.
بهذا المعنى، لا يقدم المحامون أنفسهم كفئة تدافع عن امتيازاتها، بل كجزء من معادلة العدالة.
فالمحامي، حين يكون مستقلاً وقوياً، لا يحمي نفسه فقط، بل يحمي المواطن الذي يحتاج إلى دفاع فعلي أمام القضاء.
وحين تضعف المحاماة، أو تتحول إلى مهنة خاضعة لمنطق الوصاية، فإن المتضرر الأول ليس صاحب البذلة السوداء، بل المتقاضي الذي يجد نفسه أمام عدالة ناقصة الضمانات.
ولذلك كان الزياني واضحاً حين قال إن من يعتقد أن المحامين يدافعون عن مصالحهم الفئوية فقط “مخطئ”، لأن المعركة، بحسب تعبيره، تتعلق أساساً بالدفاع عن حقوق المتقاضين وحماية استقلال الدفاع باعتباره أحد أعمدة المحاكمة العادلة. هذه العبارة تختصر جوهر الخلاف: هل يتعلق الأمر بإصلاح مهنة، أم بإعادة ضبط موقع الدفاع داخل ميزان العدالة؟
الأزمة تعمقت أكثر مع التصريحات المنسوبة إلى وزير العدل عبد اللطيف وهبي، حين قال: “شكون نتوما لي نتفقوا معاكم!”.
هذه العبارة، كما تلقاها المحامون، لم تكن مجرد رد عابر، بل بدت كأنها تكشف نظرة سياسية إلى الهيئات المهنية باعتبارها طرفاً يمكن الاستماع إليه دون أن يكون شريكاً فعلياً في صناعة النص. لذلك حرص الزياني على التأكيد أن الجمعية لن تنجر إلى الرد بنفس الأسلوب، معتبراً أن الديمقراطية الحديثة تقوم على المقاربة التشاركية باعتبارها ركيزة من ركائز التشريع السليم.
هنا يظهر الخلاف في صورته الأعمق. فالمشكل ليس فقط في مادة قانونية أو مقتضى تنظيمي، بل في سؤال الثقة بين الدولة ومهنة الدفاع. حين يقول المحامون إنهم جلسوا إلى طاولة الحوار، وقدموا ملاحظاتهم، وناقشوا مقتضيات المشروع، ثم فوجئوا بنص مختلف عن مسار التوافق، فإن الأزمة تصبح أزمة منهجية قبل أن تكون أزمة مضمون.
وفي قلب هذا النقاش توجد نقطة حساسة تتعلق بالاستقلال المالي والمؤسساتي لهيئات المحامين.
فالزياني شدد على أن الهيئات لا تعارض الشفافية ولا النزاهة، لكنها ترفض أن تتحول الرقابة إلى مدخل للمساس باستقلال المهنة.
كما أكد، من وجهة نظر الجمعية، أن المجلس الأعلى للحسابات لا يملك صلاحية افتحاص هيئات المحامين لأنها ليست مرفقاً عمومياً، معتبراً أن بعض الجهات قدمت، بشكل وصفه بالمغلوط، نماذج مقارنة لا تستقيم قانونياً.
هذه النقطة تحتاج نقاشاً قانونياً دقيقاً بعيداً عن الشعارات. فالشفافية مطلوبة في كل تدبير مالي، لكن السؤال هو: ما طبيعة الأموال موضوع التدبير؟ هل هي أموال عمومية تخضع لمنطق الرقابة العمومية، أم أموال مهنية خاصة تخضع لقواعد التدبير الذاتي؟ ثم كيف يمكن ضمان النزاهة دون تحويلها إلى وصاية؟ وكيف يمكن مراقبة المال دون المساس باستقلال الدفاع؟
الأخطر في كلام الزياني أنه تحدث عن محاولة إنتاج “محاماة عرجاء وضعيفة”.
هذه العبارة ليست مجرد توصيف قاس، بل تعكس خوفاً من أن يتحول الإصلاح إلى أداة لإضعاف المهنة بدل تحديثها.
فالمحاماة الضعيفة لا تنتج عدالة قوية، والدفاع الخاضع لا يمنح المواطن ثقة في المحاكمة، والقانون الذي يولد وسط أزمة ثقة يصعب أن يتحول إلى إطار مستقر لتنظيم مهنة حساسة.
ولذلك وصف الزياني المشروع بأنه يشكل “اغتيالاً قانونياً” للمهنة، محذراً من أن تمريره دون مراجعة سيشكل سابقة خطيرة.
مثل هذه العبارة ترفع سقف المواجهة، لكنها تكشف أيضاً حجم الإحساس داخل الجسم المهني بأن المشروع لا يتعلق بإصلاح تقني، بل بإعادة ترتيب علاقة السلطة التنفيذية بمهنة الدفاع.
ولا يقل إعلان النقباء تقديم استقالاتهم دلالة عن باقي المواقف. فقد قدمه الزياني باعتباره شكلاً نضالياً احتجاجياً وحضارياً، يهدف إلى التعبير عن رفض المشروع لا إلى تعطيل المؤسسات. والرسالة هنا واضحة: الأزمة لم تعد مجرد بلاغ أو موقف عابر، بل أصبحت مواجهة مفتوحة حول موقع المحاماة داخل منظومة العدالة.
لا أحد يستطيع إنكار حاجة مهنة المحاماة إلى الإصلاح. فالتحديث مطلوب، والشفافية ضرورية، وحماية المواطن من أي اختلال داخل الخدمات القانونية جزء من بناء الثقة في العدالة. لكن الإصلاح، حين يتعلق بمهنة مرتبطة بحقوق الدفاع، لا يمكن أن يمر بمنطق الغلبة أو السرعة أو الحسابات الانتخابية.
فالقانون الذي يؤطر الدفاع يجب أن يصنع مع أهل الدفاع، لا فوقهم أو ضدهم.
اليوم، يبدو مشروع قانون المحاماة أكبر من نص تنظيمي. إنه مرآة تعكس سؤالاً أعمق حول طريقة صناعة القرار التشريعي في المغرب: هل الحوار التشاركي مسار حقيقي ينتج التزامات، أم مجرد واجهة شكلية قبل تمرير النصوص؟ وهل يمكن لحكومة أن تطلب ثقة المواطنين في العدالة، بينما تفتح أزمة ثقة مع من يفترض أنهم يدافعون عن هؤلاء المواطنين أمام القضاء؟
السؤال لم يعد: ماذا يريد المحامون؟ بل صار: أي محاماة تريدها الحكومة؟ محاماة مستقلة وقوية وقادرة على حماية المواطن، أم محاماة ضعيفة باسم التنظيم والشفافية؟ وبين السؤالين توجد حقيقة لا يمكن القفز عليها: الدفاع ليس امتيازاً مهنياً، بل ضمانة من ضمانات العدالة.
وحين تضعف هذه الضمانة، لا يخسر المحامي وحده، بل يخسر المواطن قبل الجميع.
