بقلم: الباز عبدالإله
وضعت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية نموذج النمو المغربي أمام مفارقة بين حجم الاستثمارات والبنيات التحتية التي راكمتها المملكة خلال السنوات الأخيرة وبين قدرة الاقتصاد على تحويل هذه الدينامية إلى فرص شغل وتحسن ملموس في مستوى عيش الشباب، في تحقيق جديد تناول خلفيات استمرار محاولات الهجرة نحو أوروبا رغم مؤشرات النمو وتوسع عدد من الصناعات الكبرى.
ونشرت الصحيفة تحقيقها يوم 11 غشت 2026 تحت عنوان «لماذا يفر شباب المغرب المنسيون إلى أوروبا؟»، مسلطة الضوء على أوضاع شباب مغاربة يواجهون، بحسب التقرير، فرصاً محدودة في سوق الشغل رغم التحولات التي عرفتها البلاد في مجالات البنية التحتية وصناعة السيارات والطيران والفوسفاط ومشاريع التجهيز الكبرى.
وبحسب المعطيات التي أوردتها «فايننشال تايمز»، تبلغ البطالة في المغرب نحو 13 في المائة، بينما ترتفع وسط الشباب إلى قرابة ثلاثة أضعاف هذا المستوى، وهي الصورة التي عادت الصحيفة إلى إبرازها في حلقة من برنامجها الإخباري المنشورة في اليوم نفسه، حيث وضعت بطالة الشباب عند نحو 37 في المائة.
وتوقف التحقيق عند طبيعة الاستثمار في الاقتصاد المغربي، مشيراً إلى أن ما يصل إلى نحو ثلثي إجمالي الاستثمار يأتي من القطاع العام، مقابل استمرار الحاجة إلى قطاع خاص أكثر قدرة على خلق وظائف مستدامة وذات جودة، خصوصاً لفائدة الداخلين الجدد إلى سوق الشغل.
وتتقاطع هذه الخلاصة مع تقرير حديث للبنك الدولي حول النمو والتشغيل في المغرب، سجل أن الاستثمار ظل محركاً أساسياً للنمو، مع حضور قوي للاستثمار العمومي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد تحدياً مرتبطاً بتحويل هذا الاستثمار إلى مكاسب أكبر في الإنتاجية وخلق الوظائف، إلى جانب رفع مساهمة القطاع الخاص وتعزيز المنافسة.
ورصدت «فايننشال تايمز» في المقابل حجم التحول الذي شهدته البنية الاقتصادية للمملكة، من الطرق والتجهيزات إلى صناعة السيارات والطيران والفوسفاط، إلى جانب الاستثمارات المرتبطة بالبنيات الرياضية والمشاريع المبرمجة في أفق استضافة كأس العالم 2030.
غير أن الصحيفة أشارت إلى أن عدداً من المشاريع العمومية الكبرى، ومن بينها الاستثمارات الرياضية والسكك الحديدية فائقة السرعة، تُعد كثيفة رأس المال ولا تخلق بالضرورة فرص شغل تتناسب مع حجم الأموال المستثمرة فيها.
وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن الاقتصادي المغربي نجيب أقصبي قوله إن الاستثمارات الضخمة ساهمت في صناعة «واجهة» للنجاح الاقتصادي، بينما ربط ضعف الاستثمار الخاص، وفق قراءته، بمشكلات المنافسة وتمركز النشاط الاقتصادي ووجود أوضاع ريعية واحتكارية في بعض القطاعات.
وعزز التحقيق هذه الأرقام بشهادات لشباب مغاربة، من بينهم شابة تبلغ 24 عاماً انتقلت من العمل في تعليب السردين بآسفي إلى العمل في مبنى حديث بالعاصمة الرباط، لكنها قالت للصحيفة إنها تتقاضى نحو 428 دولاراً شهرياً وتلجأ إلى أعمال إضافية لتغطية نفقاتها.
كما عرض التحقيق حالة شاب اشتغل في عدد من المهن، من البناء والكهرباء إلى النجارة، قبل أن يحاول الوصول إلى سبتة المحتلة، ثم عاد إلى المغرب ليشتغل في كراء المظلات على أحد شواطئ سلا مقابل دخل يومي محدود، مع إبدائه استعداده لمحاولة الهجرة مجدداً.
ووضعت «فايننشال تايمز» هذه الحالات ضمن فجوة بين الصورة التي تعكسها الاستثمارات الكبرى والتحولات الصناعية من جهة، والواقع الذي يواجهه جزء من الشباب الباحث عن فرص شغل ودخل مستقر من جهة أخرى، في سياق عادت فيه قضية التشغيل إلى الواجهة عقب محاولات الهجرة الأخيرة نحو أوروبا.
ويضع التحقيق بذلك ملف التشغيل في قلب النقاش حول مسار النمو المغربي، في وقت يشدد فيه البنك الدولي بدوره على أهمية زيادة مساهمة القطاع الخاص وتحسين إنتاجية الاستثمار وتوسيع قاعدة الوظائف الأكثر إنتاجية خلال السنوات المقبلة.
