بقلم: الباز عبدالإله
وضع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حصيلة تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض أمام مفارقة بين اتساع قاعدة المسجلين والولوج الفعلي إلى العلاج، بعدما بلغت التغطية الصحية المعلنة 88 في المائة من السكان عند نهاية سنة 2025، أي أكثر من 32 مليون مستفيد، بينما ظل نحو 2.73 مليون شخص داخل ثلاثة أنظمة تأمينية في وضعية «حقوق مغلقة».
المعطيات وردت في التقرير السنوي للمجلس برسم سنة 2025، والذي اعتبر تعميم التأمين الإجباري عن المرض أحد أبرز أوراش إصلاح الحماية الاجتماعية، بعدما ارتفعت نسبة التغطية من 42 في المائة قبل التعميم إلى 88 في المائة عند نهاية السنة الماضية.
غير أن الانتقال من التسجيل داخل منظومة التأمين إلى الاستفادة الفعلية من تحمل مصاريف العلاج يكشف، بحسب التقرير، عن تفاوتات واضحة بين الأنظمة، إذ لا يضمن توسيع قاعدة المنخرطين وحده استمرار فتح الحقوق الصحية.
وبالنسبة إلى نظام التأمين الإجباري عن المرض الخاص بالأجراء، ارتفع عدد الأشخاص ذوي الحقوق المغلقة من 1.18 مليون شخص عند نهاية 2024 إلى 1.46 مليوناً عند نهاية 2025، أي بزيادة تناهز 280 ألف شخص خلال سنة واحدة.
أما نظام التأمين الخاص بالعمال غير الأجراء، فسجل بدوره نحو 1.16 مليون شخص بحقوق مغلقة عند نهاية 2025، بينهم 875 ألفاً و441 من ذوي الحقوق، رغم انخفاض العدد مقارنة بـ3.18 ملايين شخص عند نهاية سنة 2023.
وسجل نظام «أمو الشامل» الظاهرة نفسها، إذ انتقل عدد الأشخاص ذوي الحقوق المغلقة من 77 ألفاً و697 عند نهاية 2024 إلى 109 آلاف و138 شخصاً عند نهاية 2025.
وبجمع الأرقام المسجلة داخل أنظمة الأجراء والعمال غير الأجراء و«أمو الشامل»، يصل عدد الأشخاص ذوي الحقوق المغلقة داخل هذه الأنظمة الثلاثة إلى نحو 2.73 مليون شخص، رغم استمرار احتسابهم ضمن قاعدة المنخرطين في الأنظمة المعنية.
ولا تعني «الحقوق المغلقة» خروج الشخص نهائياً من نظام التأمين الصحي، وإنما تعذر استفادته خلال الفترة المعنية من تحمل النفقات الصحية، نتيجة عدم استيفاء شروط فتح الحقوق، التي يمكن أن ترتبط بمدة التصريح أو أداء الاشتراكات أو انتظام الوضعية التأمينية.
وفي المقابل، يتميز نظام «أمو تضامن» بفتح كامل للحقوق لفائدة الفئات المؤهلة، بعدما تجاوز عدد المستفيدين منه 11 مليون شخص عند نهاية 2025، وفق المعطيات التي توصل بها المجلس من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بتاريخ 3 أبريل 2026.
وخلص المجلس إلى أن توسيع التغطية الصحية لا يضمن وحده الولوج الفعلي إلى الخدمات، مؤكداً أهمية تأمين استمرارية مسارات الانخراط والحقوق، وتحسين استخلاص الاشتراكات، خصوصاً بالنسبة إلى بعض فئات العمال غير الأجراء.
وتظهر مفارقة مالية أخرى في اتجاه الجزء الأكبر من نفقات التأمين الإجباري عن المرض نحو مؤسسات العلاج الخاصة، بينما أورد التقرير، استناداً إلى معطيات الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، أن متوسط كلفة التكفل بالملف الطبي في القطاع الخاص يبلغ 5.6 مرات نظيره في القطاع العام.
وربط المجلس هذا الفارق، على الخصوص، بغياب بروتوكولات علاجية ملزمة، محذراً من أن استمرار الوضع قد يفرض ضغطاً متزايداً على التوازنات المالية لنظام التأمين الصحي.
وبحسب الرسم البياني الذي نشره المجلس، استحوذ القطاع الخاص خلال سنة 2025 على 92 في المائة من نفقات خدمات «أمو الشامل»، و78 في المائة من نفقات «أمو تضامن»، ونحو 96 في المائة من نفقات كل من نظام العمال غير الأجراء ونظام أجراء القطاع الخاص.
ولا تقف الكلفة عند ما تتحمله صناديق التأمين، إذ أورد التقرير أن الباقي على عاتق المؤمنين بلغ خلال سنة 2024 نحو 34 في المائة من الكلفة الفعلية للعلاجات المفوترة، وهو ما يعني أن جزءاً مهماً من الإنفاق الصحي ظل يتحمله المؤمنون مباشرة من جيوبهم.
ولا يقتصر التحدي على إغلاق الحقوق وارتفاع كلفة العلاج، إذ نبه المجلس إلى رهانات الاستدامة المالية للمنظومة، موضحاً أن بعض الأنظمة توجد في وضعية توازن، بينما تتطلب أنظمة أخرى تتبعاً دقيقاً لضمان استمرارية تغطية الخدمات بواسطة الموارد المتاحة.
وفي هذا السياق، أثار التقرير مسألة نقل نظام «كنوبس»، الذي وصفه بأنه يعاني عجزاً هيكلياً، إلى هيئة تدبير موحدة هي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، معتبراً أن إنجاز هذا الانتقال من دون إصلاحات معيارية مسبقة وآليات ملائمة للقيادة يستدعي يقظة خاصة.
وشدد المجلس على ضرورة اليقظة في آليات القيادة والتتبع الاكتواري، مع التدرج في توحيد قواعد الاشتراك والسقوف ومستويات التعويض وسلة العلاجات، بما يحافظ على التوازنات المالية للمنظومة ويعزز الإنصاف بين المؤمنين.
