لم يتعامل الدكتور محمد جمال معتوق، في مداخلة على إذاعة “أصوات”، مع قرار العودة إلى الساعة القانونية باعتباره إجراءً تقنياً معزولاً عن سياقه السياسي والاجتماعي، بل قدّمه باعتباره مثالاً على أزمة أعمق تتعلق بعلاقة الثقة بين المواطن والحكومة، وبطريقة تدبير المطالب الشعبية حين تتأخر الاستجابة لها إلى نهاية الولاية الحكومية.
ورأى معتوق أن القرارات التي تأتي بعد سنوات من الانتظار والضغط والمعاناة لا تصل إلى المواطن بنفس الإحساس الذي كان يمكن أن تتركه لو اتُّخذت في وقتها المناسب.
فالمطلب، حين يكون واضحاً وواسعاً ومعبّراً عن انشغال يومي لدى فئات كبيرة من المواطنين، يفقد جزءاً كبيراً من قيمته السياسية والرمزية عندما لا تتم الاستجابة له إلا بعد طول تأجيل.
وقال المتحدث إن إحساسه كمواطن هو أن الثقة في حرص أعضاء الحكومة على إعطاء الأولوية لما يخدم مصلحة المواطن أصبحت منعدمة، مؤكداً أن هذا موقف شخصي يتحمل مسؤوليته.
غير أن هذا الموقف، كما أوضح، لا ينفصل عن تراكم سنوات من الشعور بالتجاهل، وعن اقتناع متزايد بأن المواطن لا يُنصت إليه بالجدية المطلوبة إلا حين تقترب المواعيد الانتخابية.
واعتبر معتوق أن قرار العودة إلى الساعة القانونية يختصر، في نظره، جانباً من هذه المفارقة. فقد ظل هذا الملف، طيلة سنوات، موضوع احتجاجات وانتقادات واسعة بسبب تأثيره على الحياة اليومية للأسر والتلاميذ والموظفين، قبل أن يصبح التراجع عنه ممكناً في مرحلة سياسية دقيقة، قريبة من نهاية الولاية الحكومية ومن أجواء التحضير للاستحقاقات الانتخابية.
وبحسب قراءته، فإن الإشكال لا يكمن في مضمون القرار، ما دام يستجيب لمطلب ظل حاضراً في النقاش العمومي، بل في توقيته.
فالقرار الذي كان يمكن أن يُقرأ كإنصات للمواطنين لو جاء في لحظة الضغط الاجتماعي، صار اليوم يطرح سؤالاً حول الخلفية السياسية للاستجابة المتأخرة، وحول ما إذا كانت الحكومة تتحرك تحت ضغط الاقتناع أم تحت ضغط الحسابات الانتخابية.
وشدد معتوق على أن المغاربة مطالبون، في هذه المرحلة، بالانتباه إلى سياق القرارات التي قد تظهر تباعاً في نهاية الولاية، خاصة تلك التي تلامس مطالب اجتماعية ظلت معلقة لسنوات.
وقال إن المواطنين لا ينبغي أن يتعاملوا مع كل قرار إيجابي متأخر كأنه منّة أو إنجاز استثنائي، بل عليهم أن يستحضروا المسار الكامل: سنوات الانتظار، التبريرات السابقة، وتراكم المعاناة اليومية قبل صدور القرار.
وفي هذا السياق، استعمل معتوق عبارة قوية حين دعا المغاربة إلى أن “يردّوا بالهم ويكونوا فايقين”، معتبراً أن الذاكرة السياسية للمواطن يجب ألا تكون قصيرة. فالقرارات التي تأتي في آخر الولاية، مهما كانت إيجابية في ظاهرها، لا ينبغي أن تمحو من الذاكرة الجماعية سنوات من تجاهل المطالب أو تأجيلها أو التقليل من أثرها على حياة الناس.
ولم يقف معتوق عند ملف الساعة وحده، بل وسّع مداخلته إلى قضايا اجتماعية أعمق، في مقدمتها الصحة والتعليم والدعم والشغل والعالم القروي.
واعتبر أن المواطن لا يبحث فقط عن قرارات ظرفية أو إجراءات تهدئ الغضب مؤقتاً، بل عن سياسات عمومية حقيقية تحفظ كرامته وتضمن له الولوج إلى الخدمات الأساسية في الوقت المناسب وبالجودة المطلوبة.
وفي حديثه عن قطاع الصحة، انتقد معتوق طول مواعيد الفحوصات والعلاجات، خاصة في الحالات التي لا تحتمل الانتظار، مثل أمراض السرطان والكلى والحالات المستعجلة.
واعتبر أن كرامة المواطن لا تتحقق حين يجد نفسه مضطراً إلى انتظار أشهر طويلة، وربما أكثر، من أجل موعد طبي، ثم يواجه احتمال التأجيل من جديد بسبب عطل في جهاز أو غياب طبيب أو ضغط على المواعيد.
كما توقف عند التعليم، داعياً إلى مدرسة عمومية قادرة على منح أبناء المغاربة فرصاً متكافئة، لا أن يبقى الفرق واسعاً بين ما يُتاح في المجال الحضري وما تعيشه مناطق قروية من خصاص في البنيات والخدمات.
وربط ذلك برؤية أوسع للتنمية، تقوم على أن البادية ليست هامشاً يمكن تأجيله، بل جزء أساسي من تركيبة المغرب السكانية والاجتماعية والاقتصادية.
وأكد معتوق أن تنمية العالم القروي لا يمكن أن تبقى مجرد شعار، ما دامت قرى كثيرة تحتاج إلى الطريق والماء والكهرباء والإنترنت والمستوصف والمدرسة.
فالمغرب، في تقديره، لا يمكن أن يحقق تقدماً متوازناً إذا ظل جزء واسع من مواطنيه يعيش خارج الحد الأدنى من شروط الكرامة والإنصاف المجالي.
وانتقد المتحدث أيضاً منطق الدعم حين يتحول، في نظره، إلى بديل عن الشغل والخدمات العمومية. فالمواطن، كما قال، لا يحتاج إلى أن يبقى رهين مبلغ محدود أو مساعدة ظرفية، بل يحتاج إلى فرص عمل، وإلى إدارة فعالة، وإلى مستشفى يعالجه، ومدرسة تحفظ مستقبل أبنائه، وسياسات اقتصادية تمكنه من الاعتماد على نفسه بدل الارتهان للدعم.
وفي ملف الدعم الموجه لبعض القطاعات، دعا معتوق إلى مزيد من الشفافية في كشف المستفيدين الحقيقيين من المال العام، معتبراً أن المواطن البسيط قد يحصل على دعم محدود، بينما تستفيد جهات أخرى من مبالغ وإعفاءات وتسهيلات أكبر بكثير.
ومن هنا، شدد على أن النقاش الحقيقي يجب أن ينصب على العدالة في توزيع الموارد، وعلى حق المواطنين في معرفة أين تذهب الأموال العمومية ومن يستفيد منها.
وفي ختام مداخلته، استحضر معتوق المقارنة بين ما حققه المغرب في كرة القدم من حضور واعتزاز دولي، وبين ما يطمح إليه المواطن في قطاعات أكثر التصاقاً بحياته اليومية، مثل الصحة والتعليم والشغل والقضاء.
وقال إن الإحساس بالفخر الذي يمنحه النجاح الرياضي للمغاربة يجب أن يتحول إلى طموح وطني في باقي المجالات، لأن المواطن يستحق أن يشعر بالكرامة نفسها حين يدخل المستشفى، وحين يرسل أبناءه إلى المدرسة، وحين يبحث عن فرصة عمل، وحين يلج الإدارة أو القضاء.
وخلاصة رسالة معتوق أن القرارات الصحيحة تفقد كثيراً من قوتها حين تأتي متأخرة، وأن الاستجابة لمطالب المواطنين في نهاية الولاية لا تكفي لترميم الثقة إذا لم تكن جزءاً من مراجعة حقيقية لطريقة الحكم والتدبير والإنصات.
ولذلك دعا المغاربة إلى استحضار ذاكرتهم الجماعية، وعدم السماح لأي قرار ظرفي بأن يمحو سنوات من الانتظار والمعاناة.
