بقلم: الباز عبدالإله
لا يتعلق الأمر بحاوية عابرة، ولا بخبر بيئي هامشي يمكن اختزاله في لغة “إعادة التدوير”.
فبحسب تحقيق نشره موقع UntoldMag يوم 10 يونيو 2026، وأعادت منصة Global Voices نشره اليوم الأحد 28 يونيو 2026، يجد المغرب نفسه أمام سؤال بيئي واقتصادي واجتماعي بالغ الحساسية: إلى أي حد يمكن أن يتحول خطاب الاقتصاد الدائري والوقود البديل والتثمين إلى غطاء لتدفقات من النفايات الأوروبية، تنتهي كلفتها البيئية والصحية قرب مطارح وأحياء ومناطق صناعية مغربية؟
التحقيق، الذي أنجزه الصحافيان خالد بنشريف وفيديريكا روسي، لا يستند إلى انطباعات عامة أو تقديرات فضفاضة، بل إلى معطيات تجارية ووثائق ورخص وشبكات تتبع مرتبطة بحركة النفايات.
وتشير المعطيات التي أوردها إلى أن السلطات المغربية أصدرت 416 رخصة لاستيراد نفايات أوروبية تشمل الملابس المستعملة والإطارات المطاطية ومخلفات صناعية، تدخل ضمن مسارات مرتبطة بالتثمين والوقود البديل في أفران الإسمنت، خاصة في جهة الدار البيضاء–سطات.
الأرقام التي يوردها التحقيق تضع الملف خارج خانة التدبير التقني العادي.
فخلال سنة 2024 وحدها، بلغ حجم الواردات الفعلية من النفايات إلى المغرب حوالي 821 ألفاً و500 طن، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المتوسط السنوي للسنوات الثلاث السابقة، وفق ما جاء في التحقيق.
أما المعطيات التي حصل عليها الصحافيان من منظمة Basel Action Network، فتشير إلى أن دولاً أوروبية شحنت إلى المغرب، بين شتنبر 2024 وشتنبر 2025، ما لا يقل عن 36 ألفاً و611 طناً من الشحنات المصنفة ضمن مسارات مرتبطة بالنفايات أو المواد القابلة لإعادة الاستعمال، بينها ملابس وبلاستيك وورق ومعدات إلكترونية.
لكن نقطة التوتر الأساسية لا ترتبط بالحجم وحده، بل بطريقة التصنيف.
فبحسب التحقيق، صُنّف الجزء الأكبر من الشحنات الموثقة ضمن خانة الملابس المستعملة أو المواد القابلة لإعادة الاستعمال، رغم أن القيمة المعلنة لبعضها وصلت إلى مستويات منخفضة جداً، في حدود 0.10 يورو للكيلوغرام.
وهذا المعطى يفتح سؤالاً مركزياً: هل يتعلق الأمر فعلاً بمواد قابلة للاستعمال وفق معايير واضحة، أم بشحنات تجد طريقها إلى المغرب تحت تسميات تجارية أقل حساسية من كلمة “نفايات”؟
هنا تكمن أهمية الملف. فالخطاب الأوروبي الرسمي يتحدث عن تقليص النفايات، والانتقال الأخضر، والاقتصاد الدائري، غير أن التحقيق يسلط الضوء على فجوة تنظيمية واقتصادية تجعل تصريف جزء من النفايات خارج الحدود الأوروبية أقل كلفة من معالجته داخلها.
فمعالجة الطن في أوروبا تُقدّر، وفق التحقيق، بحوالي 100 دولار، بينما يكلف شحنه ومعالجته أو حرقه في المغرب ما بين 36 و39 دولاراً للطن، وهو فارق اقتصادي يمكن أن يشجع الشركات المعنية على البحث عن وجهات أقل تكلفة.
المغرب، في هذا السياق، لا يظهر كطرف خارج المعادلة، بل كجزء من منظومة رسمية واقتصادية معقدة.
فالاستيراد يتم عبر رخص، والحرق داخل أفران الإسمنت يقدم غالباً باعتباره بديلاً عن الوقود الأحفوري، كما أن الخطاب المؤسساتي والاقتصادي يستعمل مفردات من قبيل “التثمين” و“إعادة الاستعمال” و“الوقود البديل”.
غير أن جوهر النقاش لا يتعلق بالمصطلحات، بل بمدى صرامة المراقبة: من يتحقق من طبيعة هذه الشحنات؟ ومن يضمن مطابقة التصنيف المعلن لحقيقتها؟ ومن يراقب أثرها البيئي والصحي بعد دخولها إلى التراب المغربي؟
ينقل التحقيق الملف من لغة الأرقام إلى واقع الساكنة. ففي منطقة مديونة، قرب الدار البيضاء، يربط المصدر بين معاناة أسر محلية من الروائح والدخان وبين محيط يعرف ضغطاً بيئياً قديماً، حيث تصبح النفايات، سواء كانت محلية أو مستوردة، جزءاً من الحياة اليومية.
وهنا يتجاوز النقاش بعده البيئي الصرف، ليطرح سؤال العدالة الاجتماعية: هل تتحمل الفئات الساكنة قرب المطرحات والمناطق الصناعية كلفة نموذج اقتصادي يُقدَّم باعتباره “أخضر” و“دائرياً”؟
البعد الأوروبي يمنح الملف حساسية إضافية. فالاتحاد الأوروبي يتجه، ابتداءً من نونبر 2026، إلى منع تصدير النفايات البلاستيكية نحو الدول غير المنتمية إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ومن بينها المغرب، على أن تمتد قيود أخرى إلى نفايات غير خطرة في ماي 2027، ما لم تكن الدول المستقبلة ضمن لائحة موافق عليها. وتورد Global Voices أن المغرب تقدم بطلب في فبراير 2025 للبقاء ضمن الوجهات المقبولة.
هذا المعطى يطرح سؤالاً سياسياً وتنظيمياً واضحاً: هل يتجه المغرب إلى بناء نموذج شفاف ومراقَب لإعادة التدوير والتثمين، أم أن الخطر يكمن في تحوله إلى وجهة استقبال لنفايات لم تعد أوروبا ترغب في تحمل كلفتها داخل حدودها؟ الفارق بين الخيارين جوهري.
فالنموذج الأول يتطلب شفافية في الرخص، وتتبعاً دقيقاً للشحنات، ونشر معطيات دورية حول جودة الهواء والمياه، ومراقبة مستقلة للمناطق القريبة من المطرحات وأفران الإسمنت. أما النموذج الثاني فيجعل من الجنوب هامشاً بيئياً رخيصاً لانتقال أخضر لا تُدفع كلفته كاملة في الشمال.
القضية لا تحتمل الشعبوية ولا التهويل، فالتحقيق لا يخلص إلى أن كل شحنة تدخل المغرب غير قانونية، ولا يعتبر أن كل استعمال للنفايات كوقود بديل يشكل، في حد ذاته، مخالفة بيئية. لكنه يضع اليد على نقطة أكثر دقة: هناك تجارة قانونية في ظاهرها، تتحرك داخل مناطق رمادية بين التصنيف والكلفة والرقابة، وقد تنقل جزءاً من العبء البيئي والصحي من أوروبا إلى مجتمعات مغربية لا تتوفر دائماً على القدرة نفسها على الاعتراض أو الوصول إلى المعلومة أو فرض المحاسبة.
من هنا تبرز الأسئلة التي ينبغي أن تتحول إلى مطلب عمومي: أين تنشر لوائح الرخص؟ ما طبيعة النفايات المستوردة؟ من هي الجهات المستقبلة؟ ما الكميات التي تُوجَّه إلى أفران الإسمنت؟ ما نتائج مراقبة الهواء والمياه الجوفية في محيط المطرحات والمصانع؟ وهل توجد دراسات أثر صحية مستقلة في المناطق التي تعيش قرب هذه الأنشطة؟
حين يتحدث المغرب عن التنمية المستدامة، لا يكفي أن يستعمل مفردات الاقتصاد الأخضر.
فالمعيار الحقيقي لا يكمن فقط في القدرة على استقبال الشحنات وتحويل جزء منها إلى وقود بديل، بل في قدرة الدولة على حماية المواطنين من أن يصبحوا الحلقة الأضعف في سلسلة تدوير عالمية غير متكافئة.
وإذا كانت أوروبا تعيد ترتيب سجلها البيئي عبر تقليص النفايات داخل حدودها، فإن السؤال المغربي يبقى مشروعاً وملحاً: هل يتعلق الأمر بإعادة تدوير حقيقية، أم بنقل جزء من كلفة التلوث تحت اسم التثمين؟
