حوّل إدريس الأزمي الإدريسي، اليوم الأحد، كلمته خلال ملتقى الأطر النسائية لحزب العدالة والتنمية إلى مرافعة سياسية حادة ضد الحكومة، جمع فيها بين الدفاع عن حصيلة حزبه في التدبير الحكومي والجماعي، وانتقاد اختيارات الأغلبية الحالية، والدعوة إلى جعل انتخابات 2026 محطة لاستعادة الثقة في المسار الديمقراطي.
الأزمي اعتبر أن المشهد السياسي المغربي يعيش، في نظره، حالة متكررة من التشويش كلما بدأت معالمه تتضح، من خلال ترويج أسماء وسيناريوهات مرتبطة بمن سيغادر الحكومة ومن سيبقى فيها، ومن سيشارك في الانتخابات ومن سيدعو إلى مقاطعتها.
وقال إن المطلوب من حزب العدالة والتنمية، في هذا السياق، هو الحفاظ على “البوصلة” والقيام بدوره السياسي والتواصلي بعيداً عن منطق الضجيج والارتباك.
وربط القيادي في العدالة والتنمية بين المرحلة المقبلة وسؤال الديمقراطية، معتبراً أن سنة 2026 لا ينبغي أن تكون مجرد موعد انتخابي عادي، بل محطة لتصحيح المسار واسترجاع ما وصفه بـ“عافية الديمقراطية”.
وشدد على أن الرهان لا يقتصر على تشكيل خريطة حزبية جديدة، بل يمتد إلى الاقتصاد والاجتماع والهوية، وإلى الحاجة، حسب تعبيره، إلى برلمان “نقي” يشبه المواطنين ولا تتحكم فيه المصالح والالتباسات.
وفي دفاعه عن تجربة حزبه في الحكومة، عاد الأزمي إلى ثلاثة ملفات اعتبرها مركزية في حصيلة العدالة والتنمية، وهي إصلاح صندوق المقاصة، وإصلاح التقاعد، والتوظيف بالتعاقد.
وقال إن هذه الملفات لم تكن قرارات سهلة أو مريحة انتخابياً، بل كانت إصلاحات صعبة تحمل الحزب كلفتها السياسية، لأنها كانت، بحسب قوله، ضرورية لحماية التوازنات المالية واستقرار الدولة.
وبخصوص صندوق المقاصة، قال الأزمي إن حكومة العدالة والتنمية اتخذت قراراً سياسياً صعباً حين واجهت نظاماً كان يستنزف المالية العمومية، مضيفاً أن إصلاح المقاصة ساهم في توفير موارد استعملت لاحقاً في تمويل الأجور والخدمات الاجتماعية والاستثمار العمومي.
وهاجم الحكومة الحالية قائلاً إنها، وفق تعبيره، “تعرف كيف تصرف، لكنها لا تعرف كيف تأتي بالمال ولا كيف تقوم بالإصلاحات التي تعتق ميزانية الدولة”.
وفي ملف التقاعد، استعاد الأزمي النقاش الذي سبق إصلاح الصندوق المغربي للتقاعد، مؤكداً أن المعطيات التي كانت مطروحة آنذاك كانت تنذر بعجز كبير يهدد استمرارية الصندوق.
واعتبر أن حكومة حزبه كان بإمكانها ترحيل الأزمة إلى ما بعد ولايتها، لكنها اختارت تحمل المسؤولية، دفاعاً عما وصفه بحماية مئات الآلاف من المتقاعدين وأسرهم.
أما في ملف التوظيف بالتعاقد، فرفض الأزمي وصف القرار بـ“قرار الشؤم”، معتبراً أن السياق الذي اتخذ فيه كان مرتبطاً بالاكتظاظ الكبير داخل الأقسام وبمحدودية التوظيف في قطاع التعليم. وقال إن اللجوء إلى هذا الخيار ساهم، حسب عرضه، في رفع عدد المناصب المخصصة للأساتذة، قبل أن يتم تطوير وضعيتهم تدريجياً داخل المنظومة.
ولم يقصر الأزمي دفاعه عن حزبه على التجربة الحكومية، بل تحدث أيضاً عن مرحلة تدبير الجماعات الترابية. وقال إن العدالة والتنمية أعادت، بحسب رأيه، الاعتبار للجماعات كمؤسسات دستورية، وجعلت المواطن يلجأ إلى الإدارة المحلية لقضاء مصالحه بكرامة ودون خوف أو ابتزاز.
وفي المقابل، قدم صورة نقدية للوضع الحالي، معتبراً أن بعض الممارسات التي كان المغاربة يعتقدون أنها تراجعت عادت لتطرح نفسها من جديد داخل عدد من الجماعات.
وفي الجزء الأكثر حدة من كلمته، وجه الأزمي انتقادات مباشرة إلى رئيس الحكومة وأغلبيته، معتبراً أن السنوات الأخيرة كشفت، في نظره، حدود الخطاب الذي قدم الحكومة باعتبارها حكومة كفاءات اقتصادية.
وقال إن الاستثمار لم يحقق القفزة الموعودة، وإن ميثاق الاستثمار الجديد لم ينعكس، حسب تعبيره، على نتائج ملموسة بالقدر الذي انتظره المغاربة.
كما انتقد الأزمي طريقة تدبير المالية العمومية، واتهم الحكومة بـ“بيع أصول الدولة وإعادة كرائها”، معتبراً أن هذا التوجه يطرح سؤالاً جدياً حول كلفة هذه الاختيارات على المدى المتوسط والبعيد.
وقال إن ارتفاع المديونية، إلى جانب اللجوء إلى تفويت بعض الأصول العمومية، يحتاج إلى نقاش سياسي صريح حول من يتحمل مسؤولية القرارات المالية الكبرى داخل الحكومة.
وتوقف الأزمي عند النقاش المرتبط بإلغاء الساعة الإضافية، مستعملاً عبارة لافتة قال فيها إن المغاربة لا ينتظرون فقط إلغاء “الساعة الإضافية”، بل ينتظرون إلغاء “الأسعار الإضافية” التي أثقلت، حسب تعبيره، كلفة المعيشة.
واستحضر في هذا السياق ارتفاع أسعار اللحوم والخضر وعدد من المواد الأساسية، معتبراً أن الحكومة مطالبة أولاً بتقديم الحصيلة حول وعودها السابقة قبل الحديث عن برنامج انتخابي جديد.
وساءل الأزمي الحكومة عن وعد مليون منصب شغل، وعن وضعية فئات قال إنها أقصيت من التغطية الصحية، وعن الأرامل واليتامى الذين تحدث عن توقف استفادتهم من أنظمة دعم سابقة.
كما ذكر بوعد منح 1000 درهم للمسنين الذين لا يتوفرون على دخل قار، وبوعود مرتبطة بالأساتذة والتعليم الأولي، وبترتيب المغرب في مؤشرات التعليم، إضافة إلى الاعتمادات المخصصة للنهوض بالأمازيغية.
وفتح الأزمي أيضاً ملف دعم القطيع واستيراد المواشي، منتقداً طريقة صرف الأموال العمومية في هذا الباب،وتساءل عن أثر المبالغ التي رصدت لإعادة تكوين القطيع، وعن سبب عدم انعكاسها، حسب رأيه، على وفرة العرض وانخفاض الأسعار في الأسواق.
واعتبر أن المغاربة وجدوا أنفسهم، رغم هذه الاعتمادات، أمام سوق مرتبك وأسعار مرتفعة، بما يفرض، في نظره، الكشف عن المستفيدين الحقيقيين من هذا الدعم.
وفي المقابل، قال الأزمي إن العدالة والتنمية يستعد للمرحلة المقبلة من خلال إعداد برنامج انتخابي جديد، مؤكداً أن الحزب يشتغل على هذا البرنامج بكفاءاته الداخلية من الرجال والنساء، دون الاعتماد على مكاتب دراسات أو صناعة تواصلية جاهزة.
واعتبر أن قوة حزبه لا تكمن فقط في الخطاب السياسي، بل في ما وصفه برصيد من النزاهة والكفاءة راكمه خلال وجوده في الحكومة والجماعات والبرلمان.
وختم الأزمي كلمته برسالة مباشرة إلى الأطر النسائية للحزب، داعياً إياهن إلى تملك هذه الملفات والخروج بها إلى المواطنين والمواطنات، من أجل مواجهة ما سماه الغبش السياسي والتضليل الانتخابي.
وقال إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شرح ومحاسبة، لا إلى حملة انتخابية عادية، لأن السؤال المطروح، في نظره، هو من تحمل كلفة الإصلاح حين كان ذلك صعباً، ومن صرف المال العام دون أن يقدم للمغاربة جواباً واضحاً عن النتائج.
