بقلم: الباز عبدالإله
اختار نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، توجيه رسالة سياسية مباشرة إلى الشباب، مؤكداً أن الانخراط في العمل السياسي يظل أحد المسارات الأساسية لإحداث التغيير من داخل المؤسسات، وأن السياسة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها جزءاً من الإشكال، بل كمدخل ممكن لصياغة الحلول.
وجاءت تصريحات بركة خلال حفل استقبال الفوج الثاني من المنخرطين الشباب بالأكاديمية الاستقلالية للشباب، المنظم يوم الأحد 5 يوليوز 2026 بالرباط، تحت شعار “الكفاءات الشابة.. تعاقد جديد من أجل صناعة التغيير”، في سياق سياسي تتزايد فيه تساؤلات الثقة والعزوف، حيث تجد الأحزاب نفسها أمام اختبار متجدد يتعلق بقدرتها على إقناع الأجيال الشابة بجدوى العمل الحزبي والمؤسساتي.
ولم يقتصر خطاب بركة على دعوة تنظيمية للانخراط داخل حزب الاستقلال، بل جاء في إطار دفاع أوسع عن العمل السياسي في مواجهة الخطابات التي تقلل من قيمته وتدفع الشباب إلى الابتعاد عن المجال العام.
فقد اعتبر الأمين العام لحزب الاستقلال أن انتقاد السياسة من خارج المؤسسات يظل أمراً يسيراً، في حين يكمن الخيار المسؤول، في تقديره، في تحمل المسؤولية والمساهمة الفعلية في صناعة القرار.
غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته من حيث المبدأ، يثير تساؤلاً أعمق من مجرد الدعوة إلى المشاركة: هل ما تزال السياسة، في نظر فئات واسعة من الشباب، مجالاً لخدمة الصالح العام، أم أنها أصبحت، في المخيال الاجتماعي، مرتبطة بالنفوذ والامتياز والصعود الفردي؟
هذا التساؤل لا يقتصر على حزب الاستقلال، بل يشمل مجمل الحياة الحزبية المغربية.
فالأحزاب، وهي تدعو الشباب إلى الانخراط، لا تواجه فقط خطاب التقليل من شأن السياسة، بل تواجه أيضاً صورة سلبية تراكمت عبر سنوات، ربطت العمل السياسي أحياناً بالمصالح الخاصة، وبالقرب من مراكز القرار، وبضعف تجديد النخب، وبالفجوة القائمة بين الوعود الانتخابية ونتائج السياسات العمومية.
وعليه، فإن استعادة الثقة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الدفاع عن السياسة أو التحذير من مخاطر العزوف، بل تتطلب تقديم ضمانات عملية تؤكد أن السياسة ليست طريقاً إلى الامتياز، ولا مجالاً مغلقاً أمام الكفاءات، ولا آلية لإعادة إنتاج النخب ذاتها، بل فضاء مفتوح للمساءلة والتجديد وخدمة المواطنين.
وتكتسي هذه الرسالة أهمية خاصة حين تصدر عن حزب مشارك في الأغلبية الحكومية، ويتحمل، إلى جانب باقي مكوناتها، جزءاً من مسؤولية تدبير السياسات العمومية.
فحزب الاستقلال يخاطب الشباب من داخل التجربة الحكومية، وليس من موقع المعارضة، وهو ما يجعل دعوته إلى التغيير من داخل المؤسسات مطالبة بأن تقترن بإجابات ملموسة حول قضايا التشغيل، والماء، والعدالة المجالية، والقدرة الشرائية، وتكافؤ الفرص داخل الحياة السياسية نفسها.
ومن هذا المنظور، تبدو مبادرات من قبيل “ميثاق 11 يناير للشباب” محاولة حزبية لإعادة بناء جسور التواصل مع الأجيال الجديدة، واستثمار الرصيد التاريخي لحزب الاستقلال في تقديم عرض سياسي موجه للشباب.
غير أن هذا الرصيد، مهما بلغت رمزيته، لا يكفي وحده لإقناع جيل يقيس السياسة بآثارها المباشرة على حياته اليومية، وليس فقط بما تحمله من ذاكرة وشعارات.
فالشباب لا يبحثون فقط عن دعوات للانخراط، بل عن معنى حقيقي للمشاركة.
ولا يكتفون بالحضور في الأنشطة والواجهات التواصلية، بل يتطلعون إلى مواقع فعلية داخل دوائر النقاش والاقتراح وصناعة القرار.
كما أن تجديد الثقة يمر، بالضرورة، عبر جعل الكفاءة معياراً أساسياً للترقي السياسي، وليس مجرد شعار يُرفع في لحظات التعبئة الانتخابية.
لقد أصاب بركة حين أكد أن السياسة يمكن أن تكون جزءاً من الحل، غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في إقناع الشباب بأهمية السياسة من حيث المبدأ، بل في إقناعهم بأن الأحزاب قادرة على إصلاح ذاتها، وتجديد نخبها، وفتح أبوابها أمام من يسعون إلى خدمة الشأن العام، لا إلى البحث عن الامتيازات.
وبين الدفاع عن السياسة ومواجهة العزوف، تقف الأحزاب المغربية أمام اختبار حقيقي.
فاستعادة ثقة الشباب لن تتحقق بالشعارات، ولا باستقبال أفواج جديدة من المنخرطين فحسب، بل بإثبات أن السياسة ما تزال قادرة على إنتاج المعنى، وصناعة الأثر، وخدمة المواطنين.
وفي غياب ذلك، قد يتحول التصدي لخطاب التقليل من شأن العمل السياسي إلى مجرد خطاب إضافي ضمن أزمة ثقة أعمق.
