بقلم: الباز عبدالإله
صادق مجلس النواب، اليوم الاثنين، في قراءة ثانية، على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، بأغلبية 85 نائباً مقابل معارضة 35 نائباً، ودون تسجيل أي امتناع، في جلسة كشفت أن الأزمة بين الحكومة وهيئات المحامين لم تعد مجرد خلاف حول صياغات قانونية، بل تحولت إلى امتحان حقيقي لقدرة المؤسسة التشريعية على الإنصات لجسم مهني يشكل أحد أعمدة العدالة وضمانات المحاكمة العادلة.
ولم يكن التصويت النهائي على المشروع هو المعطى الأكثر إثارة في الجلسة، بقدر ما كان رفض الأغلبية طلب إرجاع النص إلى اللجنة المختصة لإعادة النظر في عدد من مواده الخلافية.
فبدل فتح نافذة إضافية للحوار مع المحامين، اختارت الأغلبية الحسم العددي، وأغلقت باب المراجعة في لحظة ما تزال فيها الساحة المهنية تعرف احتقاناً واسعاً، وما تزال فيها هيئات الدفاع تعتبر أن المشروع يمس بجوهر استقلالية المهنة وبالتوازن الضروري داخل منظومة العدالة.
بهذا المعنى، بدا البرلمان وكأنه يمرر نصاً قانونياً في مواجهة تحفظات الجهة المهنية المعنية مباشرة بتنزيله وممارسته يومياً داخل المحاكم.
فالمحاماة ليست قطاعاً إدارياً عادياً، وليست مهنة تقنية معزولة، بل هي جزء من ضمانات الدفاع، وواجهة من واجهات حماية الحقوق والحريات.
وأي قانون ينظمها دون توافق كاف مع ممثليها يظل معرضاً لإنتاج مزيد من التوتر بدل تحقيق الإصلاح.
وقد نبه عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، إلى أن المشروع ظل مثار جدل منذ بدايته، وأن البرلمان سبق أن قام بوساطة بشأنه، قبل أن يقرر رئيس الحكومة تحمل الملف على عاتقه من أجل حله بطريقته.
غير أن ما حدث داخل الجلسة أظهر أن هذا المسار لم ينجح في تبديد الاحتقان، خصوصاً أن بووانو تحدث عن “تشنج كبير” داخل الساحة، وعن توقف عدد من المحاكم، وعن استمرار الإشكالات المرتبطة ببعض مواد المشروع.
وتبرز المادة 75-1 المتعلقة بحساب ودائع وأداءات المحامين كواحدة من أكثر النقاط حساسية داخل النص، ليس فقط لأنها ترتبط بتدبير مالي، بل لأنها تمس العلاقة بين المحامي وموكله، وبين الهيئات المهنية وآليات الرقابة.
وقد اقترح بووانو التنصيص على مسك محاسبة وفق شروط يحددها نص تنظيمي، تعكس صورة صادقة عن حساب الودائع والأداءات والوضعية المالية ونتائجها، مع حفظ القوائم التركيبية والوثائق المثبتة للعمليات لمدة عشر سنوات.
كما دعا إلى أن يتضمن التقرير السنوي أوجه استعمال الموارد المحصل عليها خلال سنة مدنية، وأن يكون مصادقاً عليه من طرف خبير محاسب مقيد في جدول هيئة الخبراء المحاسبين، يشهد بصحة الحسابات، مع مراعاة مقتضيات القانون المتعلق بمدونة المحاكم المالية.
غير أن الأهم في هذا النقاش ليس فقط الجانب المحاسباتي، بل ضرورة بناء رقابة مالية متوازنة، تحمي أموال الموكلين دون أن تتحول إلى مدخل للمساس بالاستقلال المهني للمحامين أو لإضعاف سلطات هيئاتهم المنتخبة.
من جهته، دعا رشيد الحموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية، إلى إرجاع النص إلى اللجنة وفتح النقاش من جديد حول المواد التي ما تزال محل خلاف، معتبراً أن الحكومة، ما دامت تعلن إنصاتها إلى المواطنين والفئات المختلفة في ملفات أخرى، فإنها مطالبة اليوم بالإنصات إلى المحامين أيضاً.
لكن هذا النداء اصطدم بموقف الأغلبية، بعدما سقط طلب الإرجاع إلى اللجنة بتصويت 85 نائباً ضده، مقابل تأييد 35 نائباً فقط.
وهنا تكمن المفارقة السياسية الثقيلة: حين يتعلق الأمر بمهنة الدفاع، وبقانون يثير اعتراضاً واسعاً داخل صفوف المحامين، كان من الممكن أن يشكل الرجوع إلى اللجنة فرصة لتصحيح المسار، لا هزيمة سياسية للحكومة.
غير أن منطق السرعة غلب منطق التوافق، ومنطق الأغلبية غلب منطق الإنصات، فخرج النص من مجلس النواب مثقلاً بأسئلة لم تتم الإجابة عنها بما يكفي.
وقد قدمت الحكومة تعديلاً على المادة 77، أوضح وزير العدل عبد اللطيف وهبي أنه يقضي بحذف فقرتين، إحداهما تتعلق بتخصيص نسبة لمصاريف تدبير الحساب، والثانية تنص على أنه لا يحق لمجلس الهيئة خصم أي مبلغ آخر من المبالغ المصفاة وفق أحكام المادة نفسها.
وقال الوزير إن المادة تتعلق بتصفية المبالغ المودعة بحساب الودائع والأداءات، والتي تصل، بحسب عرضه، إلى 800 مليار سنتيم سنوياً.
غير أن ضخامة هذا الرقم لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لصياغة قواعد فوقية في غياب توافق مهني واسع، بل كان يفترض أن تكون مناسبة لبناء آليات شفافة ومتوافق عليها، تحمي أموال الموكلين من جهة، وتحافظ على استقلالية المهنة وهيئاتها من جهة ثانية.
فالشفافية مطلوبة، لكنها تكون أكثر قوة حين تبنى داخل مناخ ثقة، لا داخل سياق احتقان بين الحكومة وأصحاب المهنة.
كما صادق المجلس بالإجماع على تعديل حكومي يهم المادة 131، يقضي بحذف عبارة “سواء بشكل متتال أو منفصل” من شرط الترشح المرتبط بأن يكون المترشح نقيباً سابقاً أو عضواً بالمجلس لولايتين، وهو تعديل اعتبر وزير العدل أنه لا يغير المعنى، قبل أن تتم المصادقة على المادة نفسها.
وبمصادقة مجلس النواب على مشروع القانون في قراءة ثانية، سيحال النص من جديد على مجلس المستشارين للبت في التعديلات التي أدخلها مجلس النواب، قبل استكمال المسطرة التشريعية.
غير أن عودته إلى الغرفة الثانية لن تكون مجرد إجراء دستوري عادي، بل محطة جديدة أمام ملف لم تطفئه أرقام التصويت، ولم تنهه الأغلبية، لأن جوهر الأزمة ما يزال قائماً: كيف يمكن إصلاح مهنة المحاماة دون إنصات عميق للمحامين؟
لقد عبر القانون مجلس النواب، لكن الأزمة لم تعبر وما دام أصحاب البذلة السوداء يشعرون بأن صوتهم لم يؤخذ بما يكفي من الجدية، فإن النص، مهما تقدم في المسطرة، سيظل محاطاً بسؤال الشرعية المهنية قبل الشرعية العددية: هل نصلح العدالة بتقوية الدفاع، أم بإضعاف ثقة الدفاع في الدولة؟
