بقلم: الباز عبدالإله
أعاد محمد الغلوسي، المحامي ورئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، وضع اعتصام المحامين أمام البرلمان داخل سياق سياسي وحقوقي أوسع، بعدما اعتبر، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، أن ما يجري لا يخص مهنة المحاماة وحدها، بل يرتبط بمستقبل أدوار المجتمع المدني والصحافة والأحزاب والنقابات في مراقبة الشأن العام ومكافحة الفساد.
وتأتي تدوينة الغلوسي في لحظة يتصاعد فيها الجدل حول مشاريع ومقتضيات قانونية أثارت تحفظات داخل الأوساط الحقوقية والمهنية، خصوصاً المادتين 3 و7 من قانون المسطرة الجنائية، وما رافقهما من نقاش حول حدود تدخل المجتمع المدني في ملفات الفساد والمال العام، إضافة إلى الجدل المفتوح حول استقلالية مهنة المحاماة وضمانات الدفاع.
واعتبر الغلوسي أن تمرير هذه المقتضيات، بالتزامن مع النقاش الدائر حول مهنة المحاماة، يطرح سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كانت البلاد تتجه نحو تقوية آليات الرقابة والمحاسبة، أم نحو تقليص مساحة تدخل الفاعلين المدنيين والمهنيين في القضايا المرتبطة بحماية المال العام وتخليق الحياة العامة.
وفي هذا السياق، شدد الغلوسي على أن المحاماة ليست مجرد مهنة قانونية، بل رسالة مرتبطة بضمان حق الدفاع وحماية الحقوق والحريات.
ومن ثم، فإن أي مساس باستقلالية المحامي أو بحصانة الدفاع لا يمكن عزله عن النقاش الأوسع المتعلق بجودة العدالة وثقة المواطن في المؤسسات.
كما ربط رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام بين هذا المسار وبين ما وصفه بإضعاف أدوار الصحافة والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، معتبراً أن إضعاف هذه الوسائط لا يخدم بناء الثقة، بل قد يساهم في تعميق الفراغ السياسي والاجتماعي، وترك المواطن في مواجهة مباشرة مع الإدارة والسلطة دون قنوات فعالة للترافع والرقابة.
وطرح الغلوسي، في تدوينته، سؤالاً مباشراً حول الجهة التي يمكن أن تستفيد من تعميق فقدان الثقة وإضعاف الوسائط المجتمعية، معتبراً أن المرحلة تقتضي توسيع فضاءات المشاركة والمراقبة، لا تقليصها، خاصة في ظل تنامي النقاش العمومي حول الفساد والريع وتضارب المصالح واستعمال النفوذ.
وفي جانب آخر من موقفه، انتقد الغلوسي استمرار غياب تجريم فعال للإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، معتبراً أن مكافحة الفساد لا يمكن أن تظل محصورة في الخطابات العامة، بل تحتاج إلى إرادة سياسية واضحة، ومنظومة قانونية تضمن المحاسبة وتمنع الإفلات من العقاب.
وتوقف الغلوسي أيضاً عند ملفات الدعم العمومي، مستحضراً الجدل المرتبط بما سماه الدعم الموجه إلى “الفراقشية”، ومعتبراً أن صرف المال العام في قطاعات حساسة يجب أن يخضع لمنطق الشفافية والمحاسبة، بما في ذلك إمكانية اللجوء إلى لجان تقصي الحقائق حين تثار شبهات أو أسئلة جدية حول شروط الاستفادة والجهات المستفيدة.
وبحسب قراءة الغلوسي، فإن استمرار الحديث عن الريع ونهب المال العام واستغلال النفوذ، دون أن يقابله تفعيل واضح للمساءلة، يضع المؤسسات أمام امتحان حقيقي.
فالمواطن، في نظره، لا ينتظر فقط بيانات أو وعوداً بمحاربة الفساد، بل ينتظر نتائج ملموسة، وتقارير رقابية تتحول، عند الاقتضاء، إلى مسارات قضائية واضحة.
وتزداد حساسية هذه الأسئلة مع اقتراب استحقاقات شتنبر، حيث تبدو مسألة الثقة في المؤسسات ونزاهة الحياة العامة أحد أهم التحديات المطروحة.
فالمناخ الانتخابي لا يتحدد فقط بالقوانين المنظمة للاقتراع، بل أيضاً بمدى اقتناع المواطنين بأن المال العام محمي، وأن المسؤولية مرتبطة فعلاً بالمحاسبة، وأن النفوذ لا يشكل حصانة ضد المساءلة.
وفي ختام موقفه، دعا الغلوسي، بشكل غير مباشر، إلى تفعيل التقارير الصادرة عن المؤسسات الرقابية، وإحالة ما يقتضي الإحالة منها على القضاء، بما يبعث الأمل في إمكانية بناء علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، قائمة على الثقة والشفافية واحترام القانون.
بهذا المعنى، فإن اعتصام المحامين أمام البرلمان، كما يقدمه الغلوسي، لا يختزل في احتجاج مهني معزول، بل يتحول إلى مؤشر على أزمة أعمق تتعلق باستقلالية الدفاع، وموقع المجتمع المدني، ودور الصحافة، وحدود الإرادة السياسية في مكافحة الفساد. وهي أسئلة تضع الدولة ومؤسساتها أمام امتحان واضح: إما تقوية مسارات الرقابة والمحاسبة، أو ترك دار لقمان على حالها.
