عاد النقاش حول علاقة حزب العدالة والتنمية بالمخزن إلى واجهة الجدل السياسي، بعد تداول مقطع للباحث نور الدين الحاتمي، تناول فيه رد عبد الإله بنكيران على الشيخ محمد العبادي، في سياق استحضار النصيحة التي سبق أن وجهتها جماعة العدل والإحسان إلى الحزب قبل نحو خمسة عشر عاماً.
النصيحة، كما استعرضها الحاتمي في المقطع المتداول، لم تكن مجرد ملاحظة سياسية عابرة، بل تحذيراً من الانخراط في مسار لا يملك الحزب كل شروطه.
فقد دعت الجماعة، بحسب مضمون النقاش، إلى أن يظل الحزب الذي يقدم نفسه باعتباره ذا مرجعية إسلامية بعيداً عن لعبة المخزن، وأن ينأى بنفسه عن التورط في معادلة قد تنتهي بتوظيفه داخل حسابات أكبر من قدرته على التحكم فيها.
وفق قراءة الحاتمي، كانت جماعة العدل والإحسان تعي جيداً طبيعة المخزن وما يريده من الأحزاب ذات الامتداد الشعبي، وترى أنه قادر على استعمالها حين تقتضي الحاجة ذلك، سواء لامتصاص الضغط، أو لتدبير الأزمات، أو لإعادة إنتاج التوازنات السياسية نفسها.
ومن هنا جاءت النصيحة، لا بوصفها موقفاً عدائياً من حزب العدالة والتنمية، بل باعتبارها قراءة مبكرة لطبيعة النسق السياسي وحدود المشاركة داخله.
عبد الإله بنكيران، وهو يرد على كلام الشيخ محمد العبادي، اعتبر أن الأيام أثبتت أن حزب العدالة والتنمية كان محقاً في اختياره. غير أن هذا الرد، كما يطرح الحاتمي في قراءته، يعيد فتح سؤال مركزي: بأي معنى يمكن القول إن الأيام أثبتت صواب هذا الخيار؟ وهل يكفي الوصول إلى رئاسة الحكومة لإثبات وجاهة المشاركة، إذا كان الخطاب السياسي للحزب نفسه تحدث، في مراحل متعددة، عن محدودية السلطة الحكومية، وعن وجود مراكز قرار تعرقل الإصلاح؟
هنا ينتقل النقاش من مجرد سجال بين بنكيران والعبادي إلى تقييم تجربة سياسية كاملة.
فإذا كان حزب العدالة والتنمية قد دخل المؤسسات من أجل الإصلاح من الداخل، ثم وجد نفسه أمام حدود عملية في تنزيل جزء من وعوده، فإن السؤال يصبح مشروعاً حول ما إذا كانت تلك التجربة قد عززت أطروحة المشاركة، أم أكدت التحذير الذي عبّرت عنه العدل والإحسان منذ البداية.
الاختلاف بين الطرفين لم يكن، في جوهره، اختلافاً حول المشاركة أو المقاطعة فقط، بل كان اختلافاً حول قراءة طبيعة المخزن وحدود الفعل الحزبي داخله.
حزب العدالة والتنمية اختار الاشتغال من داخل المؤسسات، انطلاقاً من فكرة أن الإصلاح الممكن، ولو داخل هوامش محدودة، أفضل من البقاء خارج اللعبة السياسية.
أما جماعة العدل والإحسان، فاعتبرت أن المشاركة من دون شروط ديمقراطية واضحة قد تتحول إلى عبء سياسي وأخلاقي على من يخوضها.
منذ عهد مؤسسها عبد السلام ياسين، ربطت الجماعة أي مشاركة سياسية ذات معنى بشرط أساسي: وجود ديمقراطية فعلية، ووضوح قواعد التنافس، واحترام الإرادة الشعبية، وعدم تدخل مراكز النفوذ في صناعة النتائج أو تحديد سقف التغيير.
وبالنسبة إليها، لا معنى لانتخابات لا تقود إلى سلطة تنفيذية كاملة الصلاحيات، ولا جدوى من مؤسسات منتخبة إذا بقي القرار الحاسم خارج نطاقها.
من هذه الزاوية، يصبح كلام الحاتمي امتداداً لقراءة ترى أن موقف العدل والإحسان لم يكن رفضاً للسياسة من حيث المبدأ، بل تحفظاً على دخول مسار تعتبره الجماعة غير مكتمل الشروط. فقد كانت ترى، بحسب هذا المنطق، أن مشاركة حزب إسلامي في لحظة ضغط اجتماعي وسياسي قد تساعد على تخفيف الضغط عن النظام، بدل أن تدفع نحو إصلاحات أعمق.
التجربة الحكومية للعدالة والتنمية منحت هذا النقاش بعداً أكثر حساسية.
فالحزب الذي دخل الحكومة بخطاب الإصلاح ومحاربة الفساد وجد نفسه، بعد سنوات، أمام تقييمات متباينة.
هناك من يعتبر أنه حاول الاشتغال ضمن الممكن السياسي المتاح، وهناك من يرى أن حصيلته لم ترق إلى مستوى الوعود التي حملها، وأنه لم يتمكن من إقناع جزء واسع من الرأي العام بأنه استطاع تغيير قواعد الحكم، أو تقديم نموذج حزبي مختلف جذرياً.
الأثر الأعمق لهذا النقاش يتجاوز حزب العدالة والتنمية وحده. فجزء من الرأي العام لا يميز دائماً بين مختلف التيارات ذات المرجعية الإسلامية.
وحين تتعرض تجربة حزب إسلامي مشارك في الحكم لانتقادات واسعة، فإن جزءاً من آثار ذلك يمتد إلى صورة الإسلاميين عموماً، لا إلى الحزب وحده.
وهذا بالضبط ما يجعل قراءة الحاتمي حادة في دلالتها السياسية، لأنها لا تناقش فقط موقع الحزب داخل السلطة، بل تناقش أثر التجربة على صورة المشروع الإسلامي السياسي بأكمله.
بحسب هذا النقد، لم تكن كلفة المشاركة انتخابية فقط، بل رمزية أيضاً. فقد خسر الحزب جزءاً من وهجه، واهتزت صورته لدى شرائح كانت ترى فيه تعبيراً عن خطاب أخلاقي مختلف.
كما أن انتقاله من موقع المعارضة إلى موقع تدبير السلطة كشف حجم المسافة بين الشعارات والقدرة العملية على تنفيذها داخل بنية سياسية معقدة.
في المقابل، تقدم جماعة العدل والإحسان موقفها باعتباره اختياراً للحفاظ على المسافة مع مسار سياسي تعتبره غير مكتمل الشروط.
ورغم أن هذا الموقف يواجه بدوره أسئلة صعبة حول جدوى البقاء خارج المؤسسات، وحول البديل العملي الممكن، فإن أنصار الجماعة يرون أن عدم تحمل كلفة تجربة محكومة بسقف محدود كان أفضل من دخولها، ثم الخروج منها بخسائر سياسية ورمزية.
غير أن هذا الموقف نفسه لا يعفي الجماعة من أسئلة المستقبل. فالمعارضة من خارج المؤسسات قد تحفظ الرصيد الرمزي، لكنها لا تقدم وحدها جواباً كافياً عن كيفية بناء ميزان قوة سياسي واجتماعي قادر على فرض إصلاحات ديمقراطية حقيقية. كما أن رفض المشاركة، مهما كان مبرراً من وجهة نظر أصحابه، يحتاج دائماً إلى تصور واضح للبديل، ولطريقة تحويل الاحتجاج السياسي إلى مسار مؤثر ومستدام.
لذلك، فإن النقاش الذي أثاره مقطع نور الدين الحاتمي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خلافاً قديماً بين حزب وجماعة، بل باعتباره نقاشاً مفتوحاً حول معنى العمل السياسي في المغرب.
هل يمكن الإصلاح من داخل مؤسسات يعتبرها البعض محدودة الصلاحيات؟ أم أن الدخول إليها من دون ضمانات كافية يؤدي إلى استنزاف الفاعلين، وإضعاف ثقة المواطنين في السياسة؟
حين يقول بنكيران إن الأيام أثبتت صواب حزب العدالة والتنمية، فإن الوقائع تسمح بقراءات متعددة.
نعم، وصل الحزب إلى رئاسة الحكومة وشارك في تدبير مرحلة سياسية دقيقة.
لكن الفترة نفسها أظهرت، بحسب منتقديه، حدود السلطة الحكومية، وأكدت أن الفوز الانتخابي لا يعني بالضرورة امتلاك القرار كاملاً، وأن الخطاب الأخلاقي يحتاج إلى شروط سياسية ومؤسساتية قوية حتى يتحول إلى أثر ملموس.
أما قراءة الحاتمي، فقد أعادت إلى الواجهة سؤال النصيحة القديمة: هل كانت العدل والإحسان تقرأ موازين القوة بواقعية أكبر؟ هل كان تحفظها على المشاركة مبنياً على تقدير صحيح لطبيعة النسق السياسي؟ وهل كان دخول العدالة والتنمية إلى الحكومة بداية تجربة إصلاحية، أم بداية مسار استنزف جزءاً من رصيده الشعبي والرمزي؟
ليس المطلوب اليوم إصدار حكم نهائي على تجربة سياسية معقدة، ولا تحويل النقاش إلى مواجهة بين طرفين إسلاميين. لكن المؤكد أن هذا السجال أعاد طرح سؤال ظل معلقاً منذ سنوات: ما قيمة المشاركة السياسية إذا لم تمنح الفاعلين سلطة فعلية لتطبيق برامجهم؟ وما معنى الفوز الانتخابي إذا ظل المنتخبون أنفسهم يشتكون من وجود عوائق تحد من قدرتهم على الإنجاز؟
في النهاية، قد لا تكون الأيام قد أنصفت بنكيران بالمعنى الذي يقصده، ولا أنصفت العدل والإحسان بشكل مطلق كما يرى أنصارها.
لكنها كشفت أن المشاركة السياسية، حين تتم داخل قواعد غير محسومة ديمقراطياً، تظل خياراً محفوفاً بالكلفة.
كما كشفت أن الإصلاح من الداخل لا يكفي كشعار، ما لم يكن مسنوداً بضمانات واضحة، ومؤسسات قوية، وإرادة سياسية تحترم نتائج الصناديق وتترجمها إلى سلطة فعلية.
وهنا تكمن قوة السؤال الذي عاد مع مقطع الباحث نور الدين الحاتمي: هل أخطأت العدل والإحسان حين حذرت، أم أخطأ العدالة والتنمية حين اعتقد أن الدخول إلى اللعبة كافٍ لتغيير قواعدها؟
