بقلم: الباز عبدالإله
صادق مجلس الحكومة على مشروع القانون رقم 045.26، القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 08.12 المتعلق بالهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء، في خطوة تندرج ضمن مسار إعادة تنظيم الحكامة المهنية داخل القطاع الصحي، ومواكبة التحولات المرتبطة بإحداث المجموعات الصحية الترابية وتطوير المنظومة الصحية الوطنية.
ولا يبدو المشروع مجرد تعديل جزئي للنص المنظم للهيئة، بل يحمل مقتضيات مؤسساتية وانتخابية وتأديبية من شأنها إعادة رسم العلاقة بين الطبيب والهيئة، وبين أجهزة التنظيم المهني ومتطلبات الحكامة الصحية الجديدة، خصوصاً في ظل توسيع ورش الحماية الاجتماعية وربط عدد من الخدمات بمنظومة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
على المستوى الانتخابي، ينص المشروع، وفق المعطيات المتوفرة، على تحديد مدة انتداب أعضاء المجلس الوطني والمجالس الجهوية في خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، مع منع من قضى مدتين انتدابيتين متتاليتين داخل أجهزة الهيئة من الترشح من جديد.
ويعكس هذا التوجه رغبة واضحة في تكريس مبدأ التداول داخل أجهزة الهيئة، وتفادي استمرار نفس الوجوه في مواقع القرار المهني لفترات طويلة.
كما يعتمد المشروع نظام الاقتراع الفردي بالأغلبية النسبية في دورة واحدة، مع تخصيص ثلث المقاعد على الأقل للطبيبات، في خطوة تروم تعزيز تمثيلية النساء داخل الأجهزة التقريرية للهيئة، وجعل تركيبة المجالس أكثر انسجاماً مع الحضور المتزايد للطبيبات داخل الممارسة الطبية بالمغرب.
غير أن البعد الأكثر حساسية في المشروع يرتبط بتوسيع صلاحيات الهيئة في مجال ضبط التزامات أعضائها.
فالمقتضيات المنشورة حول المشروع تفيد بمنح الهيئة إمكانية توقيف الطبيب أو الطبيبة عن مزاولة المهنة تلقائياً في حال عدم أداء واجب الاشتراك السنوي، بعد انصرام أجل ثلاثين يوماً من تاريخ الإعذار.
وتزداد أهمية هذا المقتضى بالنظر إلى الآثار العملية التي قد تترتب عنه، إذ لا يقتصر الأمر على إجراء داخلي مرتبط بعلاقة الطبيب بالهيئة، بل يمتد إلى إمكانية تعليق العمل بالرقم الاستدلالي الوطني للطبيب، عبر مراسلة الهيئة المكلفة بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، بما يحول دون فوترة الخدمات الطبية لفائدة المرضى إلى حين تسوية الوضعية.
هذا الربط بين أداء واجب الاشتراك واستمرار القدرة على الفوترة داخل منظومة AMO يطرح نقاشاً مهنياً وقانونياً حول حدود السلطة التنظيمية للهيئة، ومدى التناسب بين المخالفة والإجراء المتخذ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بممارسة مهنة ذات ارتباط مباشر بحق المواطنين في الولوج إلى العلاج.
وفي السياق نفسه، تتضمن المعطيات المنشورة حول المشروع مقتضيات منسوبة إلى المادة 91، تروم ضبط ممارسة أطباء القطاع الخاص خارج النفوذ الترابي للمجلس الجهوي المقيدين به، من خلال منع إجراء فحوصات أو عمليات جراحية أو القيام بالحراسة الطبية خارج هذا النفوذ، إلا بعد الحصول على إذن مسبق من المجلس الوطني.
ويقدم هذا المقتضى نفسه كآلية لتنظيم الخريطة المهنية وتفادي الممارسات غير المنضبطة، غير أنه يفتح في الوقت ذاته نقاشاً حول مدى ملاءمته مع واقع العرض الصحي في بعض الجهات، خاصة في المناطق التي تعاني من خصاص في بعض التخصصات الطبية، أو تعتمد على أطباء قادمين من خارج نفوذها الترابي لتغطية الحراسة أو إجراء تدخلات معينة.
وفي حالة مخالفة هذه الضوابط، تتيح المقتضيات المنشورة فتح مساطر تأديبية، مع إمكانية إخطار النيابة العامة عند الاقتضاء، وهو ما يمنح الهيئة موقعاً أكثر حضوراً في مراقبة احترام قواعد المهنة، ويجعل من التنظيم الترابي للممارسة الطبية جزءاً من منظومة أوسع للمحاسبة والانضباط المهني.
كما يواكب المشروع التحولات الرقمية التي أصبحت تفرض نفسها على تدبير المؤسسات المهنية، من خلال إجازة المشاركة والتصويت عن بعد عبر وسائل الاتصال السمعي البصري، واحتساب الأعضاء المشاركين بهذه الطريقة ضمن النصاب القانوني للاجتماعات.
ويمنح هذا التوجه مرونة أكبر لاشتغال أجهزة الهيئة، خاصة بالنظر إلى انتشار الأطباء عبر مختلف جهات المملكة وصعوبة ضمان الحضور الدائم في الاجتماعات الحضورية.
ومن بين المستجدات المؤسساتية التي يتضمنها النص إحداث “الجمعية العامة للمجالس”، باعتبارها إطاراً يعنى برسم خطط عمل الهيئة وتقييمها، بما قد يساهم في تعزيز التنسيق بين المجلس الوطني والمجالس الجهوية، وتوحيد الرؤية التنظيمية داخل الهيئة بدل الاكتفاء بتدبير متفرق حسب الجهات.
كما يفتح المشروع الباب أمام المجالس للقيام بدور الوساطة في النزاعات التي قد تنشأ بين المرضى والأطباء، قبل اللجوء إلى المساطر القضائية.
وتكتسي هذه الآلية أهمية خاصة في علاقة طبية غالباً ما تكون مشحونة بالحساسية الإنسانية والقانونية، غير أن فعاليتها ستظل مرتبطة بمدى ضمان الحياد، وحماية حقوق المرضى، وعدم تحويل الوساطة إلى إجراء شكلي يؤخر الوصول إلى القضاء عند الحاجة.
أما على مستوى المقتضيات الانتقالية، فينص المشروع على استمرار المجالس الحالية في تصريف الأعمال إلى حين تنصيب الهياكل الجديدة، مع تنظيم انتخابات شاملة للمجالس الجهوية والوطنية داخل أجل أقصاه ستة أشهر من تاريخ دخول القانون حيز التنفيذ.
ويكشف مشروع القانون رقم 045.26 عن توجه واضح نحو إعادة بناء الحكامة المهنية داخل هيئة الأطباء، من خلال تجديد آليات التمثيل، وتقوية شروط الانضباط، وتوسيع أدوات الرقابة، وملاءمة التنظيم المهني مع التحولات الكبرى التي يعرفها القطاع الصحي.
غير أن أهمية هذا المشروع لا تلغي الأسئلة التي يطرحها. فكل إصلاح مهني يحتاج إلى توازن دقيق بين سلطة التنظيم وضمانات الممارسة الحرة، وبين تخليق المهنة وحماية حقوق المنتسبين إليها، وبين تعزيز الرقابة وعدم المساس باستمرارية العلاج أو بحق المرضى في الولوج إلى الخدمات الطبية.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تحديث النص القانوني المنظم للهيئة، بل في ضمان تطبيقه بروح إصلاحية متوازنة، تجعل من الهيئة فضاءً للتأطير والتخليق وحماية جودة العلاج، دون أن تتحول الصلاحيات الجديدة إلى مصدر توتر إضافي داخل مهنة تحتاج إلى التنظيم، لكنها تحتاج أيضاً إلى الثقة والإنصاف والاستقرار.
