أعادت ورقة تحليلية صادرة عن مبادرة الإصلاح العربي، اليوم الجمعة 3 يوليوز 2026، ملف المجتمع المدني في المغرب إلى صدارة النقاش، ليس من زاوية عدد الجمعيات المسجلة فحسب، بل من منظور أعمق يتعلق بقدرته الفعلية على أداء أدوار الوساطة والترافع وتمثيل المطالب الاجتماعية.
فالورقة، المنشورة تحت عنوان “العزوف المدني: مسببات تراجع العمق المجتمعي للمنظمات المدنية في المغرب وتبعاته”، تنطلق من مفارقة لافتة.
فمنذ دستور 2011، حظي المجتمع المدني بمكانة دستورية متقدمة، باعتباره شريكاً في إعداد السياسات العمومية وتتبعها وتقييمها، غير أن هذا الاعتراف القانوني لم يحل دون تراجع جاذبية العمل المدني وتقلص قاعدة المنخرطين والمتطوعين والمشاركين.
وتكشف الأرقام حجم هذه المفارقة. فالمغرب يتوفر على نحو 280 ألف جمعية، وهو رقم يوحي بحيوية مدنية واسعة.
غير أن هذا التوسع الكمي يتزامن، بحسب الورقة، مع ضعف القدرة على التعبئة، وتراجع الحضور في النقاش العمومي، وانكماش الدور الترافعي الذي يُفترض أن يشكل إحدى الوظائف الأساسية للمجتمع المدني.
وتشير الورقة إلى أن أكثر من 54 في المائة من الجمعيات تأسست بعد سنة 2011، أي خلال مرحلة كان يُفترض أن تفتح آفاقاً أوسع للديمقراطية التشاركية.
غير أن هذا الزخم التنظيمي لم يتحول دائماً إلى قوة اجتماعية مؤثرة، في ظل إكراهات التمويل، وضعف الحكامة، وتراجع الثقة، وتعقيدات العمل الجمعوي.
وتزداد دلالة هذا التحول حين تكشف المعطيات أن الجمعيات الحقوقية والترافعية، والجمعيات المدافعة عن قضايا المواطنين والمستهلكين والسياسات العمومية، لا تمثل سوى 1.4 في المائة من مجموع الجمعيات.
وهو رقم يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل أصبح المجتمع المدني أكثر حضوراً في مجالات الخدمات والأنشطة المحلية، وأقل قدرة على مساءلة السياسات العمومية والدفاع عن القضايا المجتمعية الكبرى؟
ولا يتعلق الأمر بالتقليل من قيمة العمل الجمعوي المحلي، ولا من أهمية الجمعيات العاملة في مجالات الثقافة والرياضة والتنمية والخدمات الاجتماعية، بل يرتبط الإشكال بموقع المجتمع المدني ضمن معادلة الوساطة: هل ما زال قادراً على نقل مطالب المجتمع إلى المؤسسات، أم أنه يتحول تدريجياً إلى فاعل تنفيذي ضمن مشاريع وبرامج محدودة؟
وتربط الورقة بين ضعف القاعدة المدنية وبروز أشكال جديدة من الاحتجاج والتنظيم خارج الأطر التقليدية، مستحضرة احتجاجات الشباب من جيل GenZ212 باعتبارها مؤشراً على انتقال جزء من الفعل الاحتجاجي إلى فضاءات رقمية مرنة وغير ممأسسة، تعمل خارج منطق الهياكل الكلاسيكية والقيادات التقليدية.
وهنا تتجلى حساسية النقاش. فضعف الوساطة لا يعكس فقط أزمة داخل الجمعيات، بل يعني أن الدولة والمجتمع قد يواجهان احتجاجات بلا مخاطب واضح، وبلا تنظيم تقليدي يمكن التفاوض معه، وبلا قنوات مؤسساتية قادرة على تحويل التوتر الاجتماعي إلى مطالب قابلة للمعالجة.
وتثير الورقة أيضاً مسألة الحكامة الداخلية، إذ لا تتجاوز نسبة الجمعيات التي تمسك محاسبة وفق المعايير المعمول بها 5.3 في المائة.
وهو ما يفتح نقاشاً ضرورياً حول الشفافية، وتجديد النخب، وانتظام الجموع العامة، ووضوح مصادر التمويل ونتائج الأنشطة.
ومن الواضح أن أزمة المجتمع المدني لا تقتصر على علاقته بالدولة، بل تمتد إلى بنيته الداخلية.
فضعف الديمقراطية الداخلية، واستمرار نفس الوجوه في مواقع القرار، ومحدودية تجديد النخب، عوامل قد تدفع الشباب والفاعلين الجدد إلى الابتعاد عن الجمعيات والبحث عن صيغ أكثر مرونة، مثل التنسيقيات والمجموعات الرقمية والحملات الافتراضية.
غير أن الورقة لا تقدم صورة قاتمة بالكامل. فقد راكم المجتمع المدني المغربي مكاسب مهمة منذ نهاية التسعينيات وبعد دستور 2011، سواء على مستوى الانتشار المجالي أو المساهمة في برامج التنمية المحلية.
غير أن جوهر الإشكال يكمن في أن هذا التوسع لم يمنع تراجع الدور الترافعي والقدرة على تمثيل المطالب الاجتماعية في لحظات التوتر.
من هذا المنظور، لا يبدو سؤال “أين اختفى المجتمع المدني؟” سؤالاً إنشائياً، بل سؤالاً سياسياً واجتماعياً دقيقاً.
فالمجتمع المدني لم يختف من حيث العدد، لكنه فقد جزءاً من قدرته على التأثير.
لم يغب عن السجلات الإدارية، لكنه تراجع في فضاءات الثقة التي تجعل المواطن يرى في الجمعية قناة حقيقية للدفاع عن مصالحه، لا مجرد إطار إداري أو شريك تقني في تنفيذ مشروع.
وتخلص الورقة إلى ضرورة توسيع المجال المدني، وتفعيل المقتضيات الدستورية المرتبطة بمشاركة الجمعيات في إعداد السياسات العمومية وتتبعها وتقييمها، وإزالة القيود القانونية والتنظيمية التي تحد من دينامية العمل المدني، مع تعزيز الشفافية والحكامة الداخلية داخل الجمعيات.
وبين نحو 280 ألف جمعية واحتجاجات رقمية متصاعدة، يبدو أن المغرب لا يعاني من نقص في الأشكال التنظيمية، بل من أزمة في الوساطة والثقة والفعالية.
فالمجتمع الذي لا يجد قنوات مدنية قوية للتعبير عن مطالبه سيبتكر قنواته الخاصة، والدولة التي تحتاج إلى شركاء اجتماعيين حقيقيين لا يكفيها عدد الجمعيات المسجلة، بل تحتاج إلى مجتمع مدني حي، مستقل، شفاف، وقادر على تحويل الغضب إلى اقتراح، والمطلب إلى سياسة، والاحتجاج إلى إصلاح.
وفي المحصلة، لا يكمن السؤال في عدد الجمعيات الموجودة في المغرب، بل في مدى فاعلية دور المجتمع المدني حين تتضخم الأرقام وتتراجع الثقة، وحين يصبح الحضور في السجلات أقوى من الحضور في الشارع والمجتمع.
