تحوّل برنامج تدريس اللغة العربية والثقافة المغربية في الأندلس من ملف تعليمي تكميلي إلى ورقة سياسية داخل اتفاق حكومي جديد بين الحزب الشعبي وحزب فوكس، بعدما نص الاتفاق على عدم تجديد مشاركة حكومة الأندلس في البرنامج، الذي كان يدرّس داخل قرابة مائة مؤسسة تعليمية عمومية.
القرار، الذي كشفت تفاصيله وسائل إعلام إسبانية استناداً إلى اتفاق الحزبين، لا يتعلق بإلغاء مادة إجبارية داخل المنهاج الدراسي الرسمي، بل بعدم تجديد برنامج اختياري وتكميلي معروف باسم برنامج اللغة العربية والثقافة المغربية، وهو برنامج مؤطر في إطار التعاون الثقافي والتعليمي بين إسبانيا والمغرب، ويستفيد منه أساساً تلاميذ من أصول مغربية داخل عدد من المدارس العمومية.
وتشير المعطيات المنشورة في الصحافة الإسبانية إلى أن البرنامج كان حاضراً في نحو 95 إلى 96 مؤسسة تعليمية بالأندلس، ويستفيد منه ما يقارب ألفي تلميذ، ما يجعل قرار عدم تجديده خطوة ذات أثر مباشر على جزء مهم من أبناء الجالية المغربية، خصوصاً في منطقة ترتبط تاريخياً وجغرافياً وإنسانياً بالمغرب.
غير أن أهمية القرار لا تكمن فقط في رقمه أو طبيعته التقنية، بل في خلفيته السياسية.
فحزب فوكس، الذي بنى جزءاً كبيراً من خطابه على قضايا الهجرة والهوية ورفض ما يسميه “التدخل الأجنبي”، نجح عبر الاتفاق مع الحزب الشعبي في تحويل برنامج لغوي وثقافي اختياري إلى ملف سيادي وهوياتي داخل المدرسة العمومية.
وبهذا المعنى، لا يبدو القرار معزولاً عن المناخ السياسي الإسباني العام، حيث باتت قضايا الهجرة والتعدد الثقافي والتعليم تتحول إلى أدوات تفاوض بين اليمين التقليدي واليمين القومي المتشدد. ففوكس لا يحتاج دائماً إلى التحكم الكامل في السلطة التنفيذية حتى يترك بصمته على السياسات العمومية، إذ يكفيه أحياناً أن يجعل بعض الملفات جزءاً من شروط الاستقرار الحكومي أو تمرير الميزانيات.
وتقدم الأطراف الداعمة للقرار هذا التوجه باعتباره دفاعاً عن الهوية الإسبانية وتعزيزاً للاندماج داخل المؤسسات التعليمية.
غير أن منتقديه يرون فيه استهدافاً رمزياً للوجود المغربي داخل المدرسة الأندلسية، خصوصاً أن البرنامج لم يكن مفروضاً على جميع التلاميذ، ولم يكن بديلاً عن المنهاج الإسباني، بل نشاطاً تكميلياً موجهاً لمن يرغب في الحفاظ على الصلة اللغوية والثقافية مع بلد الأصل.
من زاوية مغربية، يطرح القرار سؤالاً يتجاوز حدود الأندلس. فبرنامج اللغة العربية والثقافة المغربية لم يكن مجرد حصص لغوية، بل أحد الجسور التي حافظت لعقود على ارتباط أبناء الجالية بذاكرتهم الثقافية واللغوية، داخل إطار قانوني قائم بين البلدين.
ولذلك فإن إخراجه من المدارس العمومية الأندلسية، ولو بصيغة عدم التجديد لا الإلغاء الفوري، يحمل رسالة سياسية واضحة حول التحول الجاري في تعامل بعض الحكومات الجهوية الإسبانية مع ملف الجالية المغربية.
الأندلس، التي ظلت بحكم التاريخ أكثر الأقاليم الإسبانية التصاقاً بالضفة الجنوبية للمتوسط، تدخل بهذا القرار مرحلة جديدة في تدبير علاقتها مع التعدد الثقافي داخل المدرسة.
فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بحصص اختيارية في اللغة العربية، بل بسؤال أعمق حول موقع أبناء المهاجرين داخل السياسات التعليمية، وحول قدرة التعاون المغربي الإسباني على الصمود أمام صعود خطاب هوياتي متشدد.
ولا يمكن قراءة القرار باعتباره تعديلاً إدارياً بسيطاً، إنه مؤشر سياسي على أن المدرسة أصبحت واحدة من ساحات الاشتباك بين منطق الاندماج القائم على الاعتراف بالتعدد، ومنطق الانغلاق الذي ينظر إلى اللغة والثقافة بوصفهما تهديداً لا جسراً للتعايش. وبين هذين المنطقين، يجد أبناء الجالية المغربية أنفسهم مرة أخرى في قلب معركة لا تخصهم وحدهم، بل تكشف طبيعة التحولات العميقة داخل السياسة الإسبانية.
